لا تنتظر السعادة... درِّب نفسك عليها

نشر في 22-09-2026
آخر تحديث 21-09-2026 | 18:36
 محمد الجارالله

بعد عقود من ممارسة الطب، والاقتراب من الناس في لحظات الصحة والمرض، والقوة والانكسار، وبعد سنوات في العمل العام، وما يحمله من نجاح وخيبة ورضا وقلق، أصبحت أنظر إلى السعادة بصورة مختلفة عمَّا كنت أراها في مقتبل العُمر.

نمضي سنوات ونحن نؤجلها: سأرتاح بعد أن تنتهي هذه المشكلة، وأسعد عندما أحقق ذلك الهدف، أو تتحسَّن ظروفي، أو يكبر الأبناء، أو أملك أكثر.

ثم تعلمنا الحياة أن مشكلاتها لا تنتهي. ينقضي همٌّ فيأتي غيره، ونبلغ هدفاً فتظهر أمامنا أهداف أخرى. ولعل من أجمل ما تعلمته مع العُمر أن السعادة لم تكن تنتظرنا في نهاية الطريق، كانت موزعة على الطريق نفسه، لكننا لم نكن دائماً نراها.

دماغك يتعلَّم منك كيف يعيش

من أجمل ما قدمته علوم الأعصاب الحديثة مفهوم المرونة العصبية (Neuroplasticity). فالدماغ ليس جهازاً جامداً اكتمل بناؤه، وطريقة استجابته للحياة ليست قدراً محتوماً.

وحتى ما نُسميه، بشيء من التبسيط، «كيمياء الدماغ» قابل للتأثر بطريقة حياتنا. فأنظمة النواقل العصبية، ومنها الدوبامين والسيروتونين، تتفاعل ضمن شبكة معقدة مع النوم والحركة والتوتر والتعلم والعلاقات وغيرها. نحن لا نملك مفاتيح بسيطة نرفع بها ناقلاً عصبياً ونخفض آخر كما نشاء، لكننا أيضاً لسنا مجرَّد متفرجين على أدمغتنا.

ما نكرره من عادات، وما نمنحه اهتمامنا، والطريقة التي نستقبل بها أحداث الحياة، كلها تدرب الدماغ مع الوقت.

وبعبارة أحبها: دماغك يتعلَّم منك كيف يعيش، فانتبه إلى ما تعلمه إياه كل يوم.

مع العُمر... تتغيَّر عناوين ومفاهيم السعادة

في مقتبل العُمر نبحث عنها في الإنجاز وإثبات الذات والمنصب والمال والسفر. وكلها طموحات مشروعة، لكن السنوات تُعيد ترتيب القائمة.

تُصبح العافية أغلى، والبيت الهادئ أجمل، والاطمئنان على الأبناء أثمن، والصديق الذي تستطيع أن تحدثه بلا أقنعة أكثر قيمة.

وتعلمت أيضاً أن النضج ليس فقط فيما نضيفه إلى حياتنا، بل فيما نعرف متى نُخرجه منها: خصومة استهلكت أكثر مما تستحق، منافسة فقدت معناها، علاقة تستنزفنا، ومحاولة مرهقة لإرضاء الجميع.

وربما كان من أجمل امتيازات العُمر أن يقل ما نحتاج إليه لكي نكون بخير.

الإنسان يحتاج إلى الإنسان

رأيت في الطب أناساً أحاط بهم المرض، لكنهم ظلوا متماسكين، لأن حولهم أُسرة ومحبة ومعنى. ورأيت آخرين يملكون الكثير، وكانت الوحدة أشد عليهم من المرض.

لهذا تعلمت ألا أقيس العلاقات بعددها. الأهم: مَنْ يمنحك الأمان؟ مع مَنْ تستطيع أن تكون نفسك؟ ومَنْ تخرج من مجلسه وقد أصبحت أخف نفساً؟

والعطاء أيضاً باب للسعادة. أن تقضي حاجة، أو تجبر خاطراً، أو تمنح شاباً خلاصة تجربة دفعت أنت ثمنها سنوات، يُعيد للحياة معنى قد لا تمنحه الأشياء التي نشتريها لأنفسنا.

لقد عرفها الإيمان قبل أن تشرحها 

العلوم الحديثة

بعد كل ما قرأته ورأيته، أجد أن الحديث عن السعادة يظل ناقصاً إذا اختزلناه في كيمياء الدماغ والصحة والعلاقات.

ففي إيماننا بالله معنى بالغ العُمق لخَّصه الرسول، صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير... إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له».

إنه لا يعد الإنسان بحياة بلا ألم، بل يعلمه كيف يعيش تقلباتها من دون أن تهزمه: في النعمة شكر، وفي الشدة صبر، وبعد بذل الأسباب توكل ورضا، ثم الأجر والثواب في الآخره.

 وصدق البيت المشهور:

ولست أرى السعادة جمع مالٍ

ولكن التقي هو السعيد

وهنا أرى انسجاماً جميلاً بين المفهوم الإيماني وما تقوله الخبرة الإنسانية الحديثة: الإنسان يحتاج إلى صحة وعلاقات ومعنى، والقلب يحتاج أيضاً إلى صِلة بخالقه. والصلاة بخشوع والذكر بتفكُّر وخشوع أيضاً يقطعان شيئاً من ضجيج اليوم، ويُعيدان الإنسان إلى السكون: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب».

لا تطلب السعادة من جسدٍ مُنهك

كطبيب، يصعب عليَّ أن أفصل النفس عن الجسد. لا يمكن أن نحرم الجسد من النوم والحركة والغذاء الجيد، ونضع العقل تحت ضغط متواصل، ثم نطالبه بأن يمنحنا أفضل نسخة من مزاجنا.

وفوق ذلك نعيش في زمن يكاد يعتبر الصمت فراغاً يجب ملؤه. نستيقظ فنفتح الهاتف، فيدخل العالم كله إلى فراشنا: حرب، أزمة، رسالة، مقارنة، وخبر عاجل.

أعتقد أننا أصبحنا بحاجة إلى حمية معلوماتية بقدر حاجتنا أحياناً إلى الحمية من الطعام والسعرات.

اختر متى تدخل العالم الرقمي، ولا تسمح لهاتفك أن يدخل إليك كلما شاء. لا تمنحه أول دقائق صباحك وآخر دقائق ليلك. لقد أصبحت قدرتك على إغلاق الشاشة نوعاً من السيادة على نفسك.

لا تسمح لعقلك أن يتقاعد

ومن الأشياء التي أصبحت أؤمن بها أكثر مع العُمر أن أخطر الشيخوخة ليست شيخوخة الجسد، بل أن يشيخ فضول الإنسان.

كتاب جديد، فكرة لم تعرفها، علم لم تدخله، شخص يعرف شيئاً لا تعرفه. كلها تبقي نافذة العقل مفتوحة.

لا تسمح لشهادة الجامعة أن تكون آخر شهادة ميلاد لعقلك.

يمكن للإنسان أن يبلغ السبعين وما زال يسأل: ماذا بقي لأتعلَّم؟ ويمكن لآخر أصغر منه بعقود أن يكون قد أغلق نوافذه على الحياة.

وبعد هذه الرحلة، أصبحت أرى أن السعادة الناضجة ليست فرحاً دائماً، فلا توجد حياة كهذه. إنها القدرة على العودة إلى التوازن: أن نحزن من دون أن يُصبح الحزن هويتنا، وأن نفشل من دون أن نصف أنفسنا بالفاشلين، وأن نسعى لما نستطيع تغييره، ونتقبل ما خرج عن قدرتنا.

وربما نكتشف في النهاية أن الحياة لم تكن مطالبة بأن تعطينا كل ما أردنا لكي نكون سعداء.

كان يكفينا أن نتعلَّم كيف نرى ما أعطتنا.

فالسعادة ليست محطة نصل إليها في نهاية الطريق... إنها الطريقة التي نتعلَّم بها أن نمشي طريق الحياة.

*وزير الصحة الأسبق

back to top