الكويت والأمراض غير المشخصة

نشر في 22-09-2026
آخر تحديث 21-09-2026 | 18:32
 د. حمد محمد علي ياسين

في بداية هذا الأسبوع، نشرنا مع نُخبة من العلماء والأطباء من دول الشرق الأوسط مقالاً في إحدى مجلات نيتشر المرموقة، طرحنا فيه فكرة إنشاء تعاون إقليمي للأمراض غير المشخّصة. 

وما أسعدني في هذا العمل تحديداً، أن الكويت لم تكن مجرَّد اسم ضمن قائمة المشاركين، بل كانت حاضرة في صياغة الفكرة والنقاش حول كيف يمكن لمنطقتنا أن تبني نموذجاً خاصاً بها في هذا المجال. هذه الأمراض هي حالات يكون فيها المريض- وغالباً ما يكون طفلاً أو شاباً- يعاني مرضاً واضحاً، وربما لسنوات، من دون أن يكون هناك تشخيص طبي نهائي يُفسِّر ما يحدث له. 

ينتقل المريض بين الأطباء، ويُجري الفحوصات والتحاليل، وقد يصل حتى إلى فحص الجينوم، ومع ذلك تبقى الإجابة غير مكتملة. أحياناً نجد تغيُّراً جينياً نادراً، لكننا لا نعرف بعد إن كان هو سبب المرض فعلاً. وهنا تكمن أهمية الفكرة التي طرحناها. قد تكون لدينا في الكويت عائلة تحمل تغيُّراً نادراً في جين لم يُربط سابقاً بمرضٍ معيَّن، فيما توجد بدولة أخرى في المنطقة عائلة ثانية تحمل التغيُّر نفسه وتعاني أعراضاً مشابهة. كل حالة بمفردها قد تبقى لغزاً، لكن ربط الحالتين قد يُحوِّل الشك إلى دليل، ويفتح الباب لتشخيص المرض، وربما لاكتشاف جين مرضي جديد، وتطوير تدخُّل علاجي مناسب. 

من هنا جاءت مبادرة ميكود- كما سمَّاها الزميل أحمد أبوطيون- لتربط المرضى والأطباء والباحثين ومختبرات الجينوم والخبرات المتخصصة في دول المنطقة. وكان من المهم بالنسبة لنا أن تكون الكويت جزءاً من هذا التصوُّر منذ البداية، بمشاركة باحثين وأطباء من جامعة الكويت، ومعهد دسمان للسكري، ووزارة الصحة، ومركز الكويت للأمراض الوراثية. 

لدينا في المنطقة تنوُّع جيني كبير، وعائلات ممتدة، وثروة من المعلومات الوراثية التي لا تزال غير ممثلة بالشكل الكافي في قواعد البيانات العالمية، وهذه تشكِّل فرصة علمية مهمة لمنطقتنا. 

القيمة الحقيقية لهذا المشروع تتجاوز نشر ورقة علمية في مجلة مرموقة. طموحنا أن تتحوَّل الخبرات والإمكانات الموجودة في دول المنطقة من جهود متفرقة إلى شبكة متكاملة تتبادل المعرفة والخبرة، وتربط الحالات ببعضها، وتساعد مريضاً أو عائلة ربما أمضيا سنوات طويلة بحثاً عن تشخيص وإجابة. 

أن تكون الكويت حاضرة في صياغة مثل هذه المبادرات منذ بدايتها، هو- في رأيي- المكان الذي يجب أن نكون فيه. فلا نكتفي بانتظار المعرفة والتجارب القادمة من الخارج، بل نشارك في صناعتها وتوجيهها بما يتناسب مع احتياجات مجتمعاتنا. 

ويبقى التحدي الآن أن نحوِّل هذه الفكرة من مبادرةٍ علمية على الورق إلى تعاونٍ حقيقي على أرض الواقع، يربط مؤسسات المنطقة وخبراتها، ويُسهم في تطوير خدمات التشخيص الجيني والارتقاء بالرعاية الصحية للمرضى وأُسرهم في الكويت والمنطقة.

*أستاذ مشارك بعلوم طب الجينوم بجامعة الكويت

back to top