كم من هيروستراتوس بيننا؟

نشر في 21-09-2026
آخر تحديث 20-09-2026 | 18:23
 نجد الحوراني

عام 356 قبل الميلاد، احترق معبد أرتميس في مدينة أفسس بآسيا الصغرى- غرب تركيا الحالية. كان واحداً من أعظم معابد العالم القديم، وسيُعد لاحقاً إحدى عجائب الدنيا السبع. الرجل الذي أشعل النار كان هيروستراتوس، وقد فعلها لغاية تكاد تبدو شديدة المُعاصرة: أراد أن يعرف الناس اسمه.

حاول أهل أفسس أن يعاقبوه بحرمانه مما أراد، فحظروا تخليد اسمه. لكن المؤرخين نقلوه، ونجح هيروستراتوس في الوصول إلينا بعد أكثر من ألفَي عام.

نجح إذن، ولكن بأي ثمن؟ الشهرة ليست ابنة وسائل التواصل، بل رغبة بشرية قديمة. الجديد أننا منحنا اليوم كل إنسان معبداً صغيراً يستطيع إحراقه كي يلتفت الناس إليه.

موقف مستفز، سلوك خارج عن المألوف، رأي يُقال لا لقيمته، بل لقدرته على صناعة الضجيج، أو تفاصيل خاصة تُدفع إلى العلن، حتى ينقلب السؤال من: ماذا لديَّ لأقدمه؟ إلى: ماذا أفعل كي ينظروا إليّ؟ وربما هنا اختلط علينا الطريق.

فالعمل الجيد يمتلك صوته الخاص. الكتاب الجميل يجد قارئه، والفكرة الأصيلة تشق طريقها، والإنجاز الحقيقي يتحدَّث عن صاحبه من دون محاولات لاهثة لإجبار العيون على الالتفات إليه. قد يحتاج العمل إلى أن نعرّف به، نعم، لكن ثمة فارقاً هائلاً بين أن نضيء على ما صنعناه، وأن نقضي أعمارنا تحت الضوء كي يرانا الآخرون.

والأخطر أن الشهرة لا تقف عند صاحبها، فهي تُعيد تشكيل مفهوم النجاح لدى الأجيال الجديدة. حين يرون أن الضجيج يجلب الحضور أسرع من العلم والعمل، قد يتحوَّل طموحهم من أن يصنعوا شيئاً يستحق التقدير، إلى أن يُصبحوا معروفين بأي ثمن.

نحن كائنات اجتماعية نحتاج إلى التقدير والشعور بأن وجودنا مرئي. لكن الخطر يبدأ حين يُصبح نظر الآخرين دليلنا الوحيد على قيمتنا، عندها يتحوَّل الجمهور إلى مرآة، وكلما اعتدنا التصفيق احتجنا إلى تصفيق أعلى.

ولعل الفارق بين الشهرة والأثر أبسط مما نظن: الشهرة أن يعرف الناس اسمك، أما الأثر فأن يتكلم عملك عنك، من دون محاولات لاهثة لتذكير العالم بك. وكم من هيروستراتوس يعيش بيننا اليوم؟

back to top