يحاصرك التوحش*

نشر في 21-09-2026
آخر تحديث 20-09-2026 | 18:21
 خولة مطر

يحاصرك التوحش، بل يقترب منك شيئاً فشيئاً. وبينما تحاول أحياناً نسيانه أو تناسيه، يأتي من يذكرك به وبما حدث للكون. يتسلل إلى نفسك وعائلتك ومدينتك، بل ووطنك، ويصبح أقرب مما كنت تتصور. يفصّل حياتك: كيف تفكر، وماذا تقرأ، وأي موسيقى تسمع، ومن هو مطربك المفضل، حتى لو لم يكن يملك صوتاً أو إبداعاً. يتسلل إلى تفكيرك وتاريخك وذاكرتك، ثم يتدخل ليحدد لك ما تأكل، ويحكم قبضته على كل ذلك، فلا تعرف كيف سيكون الغد أو ما هو المستقبل. حتى إن تلك النكتة المتداولة أصبحت أكثر واقعية عندما يسأل الطبيب السيدة الحامل مداعباً: «بم ستنصحين طفلك القادم؟» فتجيبه: «لا تستعجل.. ابقَ بداخلي فلا شيء يبعث على الفرح هنا». 

يأتي التوحش عندما تتراكم الثروة والقوة والمعرفة والغذاء والدواء في أيدي القلة، في حين يُطلب من الأغلبية أن تتكيف مع ما يُرسم لها، بل أن تصبح تابعة، ربما عبدة، وأن تبدي إعجابها كلما زغللوا عينيها بمنتج أو بما يسمونه اكتشافاً أو اختراعاً جديداً. منصات تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، وعالم سريع لا يملك فيه المرء إلا أن يستهلك ما يُنتج له، ويصدق ما يقال له، ويعيش ضمن المساحة المتاحة له. وتعبر عن هذا بشكل واضح كل من ناعومي كلاين وأسترا تايلور في كتابهما الأخير عن «فاشية نهاية الأزمنة»، الذي يعكس مخاوف كثير من المختصين والعلماء والباحثين على أغلبية البشر، في حين تتحكم فئة قليلة تراكم الثروة والقوة دون أدنى اهتمام بما يحدث غداً، وبينما يقف البعض خائفاً من هذا القادم، يقف بعض البشر في جزء ومدن هنا وهناك ليرفعوا الصوت للدفاع عن حقهم في الماء والشمس والهواء، وأن تبقى مدنهم دون مزيد من المنتجعات والمباني الفاخرة فيما يطلقوا عليه تسميات خاطئة أو ملتوية على أنه حداثة وتطور. ففي تلك الجزيرة الصغيرة في الفلبين وقف السكان في وجه ما يسمى إعماراً وبناءً ونمواً، وواجهوا الجرافات قائلين: ارحلوا عن أرضنا، لا نريد تنميتكم! وفي فلورنسا، وقف الأهالي في وجه مشاريع رأوا أنها ستغير تفاصيل مدينتهم وحياتهم، ودافعوا عما سموه «حقهم في ضوء الشمس». قد لا تصل أخبار كهذه إلى المحطات الإخبارية والمنصات الكبرى، لكنها، على صغرها، مهمة في مواجهة القادم. احتجاجات صغيرة تستحق أن تنتشر على رقع أوسع من العالم، حتى لا نستسلم للعجز الذي يريدونه لنا. حتى الذكاء الاصطناعي، حديث الطفل والشيخ، ومصدر الإعجاب، بل والسيطرة على الكثيرين، هو الآخر مساهم في هذا التوحش المقيت. فإلى جانب الهيمنة على المعلومة ومحو أو تحوير الكثير، والمساهمة في القتل والدمار حتى آخر نقطة دم، يساهم في تدمير البيئة والطبيعة باستهلاك كميات هائلة من الطاقة والماء. فلا عجب أن تتصاعد احتجاجات المجتمعات المحلية في مدن أميركية خلال السنتين الماضيتين، لتعطيل أو تأخير عشرات المشاريع لمراكز البيانات. إنها الفاشية الجديدة، مرتدية أزياء حداثية كثيرة البريق. فهل نقف مستسلمين، أم نفعل كما يفعل ذاك الفلاح الفلسطيني أو اللبناني، يزرع شجرة زيتون كلما اقتلع الصهاينة، وهم أحد أشكال هذا التوحش، شجرة عمرها مئات، بل آلاف السنين؟ ويحضن حفنة من تراب أرضه في يده حتى تذكره رائحة الأرض بها وتبقى هي نابضة في قلبه وقلبها... ولهذا ربما لم يعد السؤال: كيف سيكون المستقبل؟ بل: هل سنقف نتفرج على آلة توحشهم وهي تسلب إرادتنا وتصنع مستقبلنا؟

* يُنَشر بالتزامن مع الشروق المصرية

back to top