بقايا خيال: القضاء على الطائفية مسؤولية الحكومة!

نشر في 21-09-2026
آخر تحديث 20-09-2026 | 18:18
 يوسف عبدالكريم الزنكوي

عرفت انتمائي للمذهب الجعفري (الشيعي) عندما كبرت، وحينها لم يكن يعني لي شيئاً طالما كُنت مسلماً متزيناً بالأخلاق، فلا كُنت مسؤولاً عن اختيار اسمي ولا مذهبي.  عندما التحقت بالمرحلة الابتدائية لم أكن قد جاوزت الخامسة من العُمر، حينها كُنت مرافقاً لشقيقي أسعد من الابتدائية حتى الجامعة، ولم نفترق أبداً. والدي «الأمي»، يرحمه الله، ألحقنا بمدرسة عمر بن الخطاب، القريبة من بيتنا بمنطقة جبلة. لا أدري لماذا لم يُلحقنا بمدرسة ابتدائية أُخرى، كمدرسة المثنى، أو الأحمدية، أو الصديق، أو المأمون، أو غيرها من المدارس القريبة. «إشمعنى هذه المدرسة بالذات؟».  أقول هذا لأنني عندما كُنت طفلاً، لم أكن أعرف أن بعض الجهلة من الشيعة، أو الأميين في الدِّين، يكرهون الصحابي الجليل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حتى بلغت الأربعين من العُمر. لهذا تذكَّرت طفولتي الجميلة، الخالية من الخدوش الطائفية، عندما كان والدي، الجميل في سماحته الدينية، يستقبلنا عند عودتنا من المدرسة، فيسألنا، أنا وأسعد، عمَّا إذا كُنا قد أدَّينا الصلاة في المدرسة أم لا؟ فنجيب بـ «نعم»، رغم عِلْمه الأكيد أننا أدَّينا الصلاة في المدرسة صلاة سنية.  يعلم الجميع أن تُجار الدِّين يجيدون المراوغة في ملاعب الأُميين. لهذا، لو كان كُره الصحابي عمر بن الخطاب شائعاً، والعياذ بالله، بين الشيعة في تلك الحقبة، لقام والدي الأمي بنقلنا إلى مدرسةٍ أخرى قريبة، أو لمنعنا من الصلاة مع إخواننا و«ربعنا» وزملائنا السنة، الذين كُنا نعيش معهم على الحلوة والمُرَّة في «فريج» واحد.  عمي إبراهيم، الشقيق الأكبر لوالدي، يرحمهما الله، كان لديه ابنتان وولد واحد (خليل)، الذي تُوفي طفلاً، فكُنت خلال عطلة الربيع والصيف أنتقل من منطقة جبلة إلى منطقة شرق وأسكن ببيت عمي، لكي أعوضه فقدان ابنه الوحيد. لهذا تعلَّمت الصلاة على يديه الكريمتين قبل أن أبلغ السابعة من العُمر، فقد كان يأخذني مشياً إلى مسجد شعبان، ولم أكن حينها أعرف أن هذا المسجد بناه الشيعة في بداية ثلاثينيات القرن الماضي، لأنني كُنت أعتقد أن كل المسلمين يصلون معاً في هذا المسجد، كما كُنا نصلي معاً في مدرسة عمر بن الخطاب.  عندما كُنا جهلاء في الطائفية كُنا نعشق الوطن حتى الثمالة، بمعنى: «كل شي إلا الكويت. قول أي شي إلا عن هالديرة اللي ماكو مثلها».  وفوق هذا كان من بين المواد المقررة في مرحلة الثانوية مادة التربية الوطنية، التي كانت تعزز إيماننا بأهمية الوطن، وعملت على ترسيخ عشقنا لديرة لا يمكن أن أميل لغيرها، حتى لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري.  الغريب أنني لم أعرف أنني شيعي إلا بعد أن هُدمت مدرسة عمر بن الخطاب في جبلة، وعندما تساهل الكثيرون في الإخلاص للديرة بعد إلغاء التربية الوطنية، وكأن الحكومات المتعاقبة تقول للمواطن: «اعتمد على نفسك في تعلم حُب الوطن... ما لنا شغل فيك».  اليوم، وبعد تشريع قانون الوحدة الوطنية، أشعر، وهذا شعور شخصي، وكأنه ممنوع أن نتكَّلم عمَّن يعيش بيننا ويواصل بث سمومه الطائفية، لأن هذا القانون مطاط، أو أن نُجبر الحكومة الحالية على استعادة المزيد من بريقها الوطني، من خلال الإيعاز إلى وزير التربية بإضافة مادة التربية الوطنية على كل المراحل الدراسية، حتى لا يدَّعي أحد من الواشين بأن هناك ناراً تحت الرماد... أقول هذا من أجل أن يحفظ الله بلادنا وأهلها من كل مكروه.

back to top