التعليم العام بالعلم لا بالعاطفة
كما في التعليم العالي، الحديث عن تكويت التعليم العام غالباً ما تحكمه العاطفة، في حين تنقصه الأرقام ومؤشرات الأداء.
ولنبدأ بالأرقام الرسمية:
تذكر وزارة التربية أن عدد أعضاء الهيئة التعليمية، من غير شاغلي الوظائف الإشرافية، يبلغ نحو 91.761 معلماً ومعلمة، وأن الكوادر الوطنية تمثل 70.6% منهم. أي أن أكثر من سبعة من كل عشرة معلمين هم كويتيون بالفعل.
وفي الوقت نفسه، كشفت دراسة الوزارة عن وجود فائض فعلي يبلغ 33.268 معلماً ومعلمة في عدد من التخصصات، أي ما يعادل نحو 36% من إجمالي الهيئة التعليمية. وبدأت الوزارة معالجة هذا الفائض بإنهاء خدمات 7.019 معلماً ومعلمة من الكوادر المتعاقد معها، مع وفر سنوي متوقع يبلغ نحو 42 مليون دينار من بند الرواتب.
لا خلاف على ضرورة معالجة الفائض ووقف الهدر وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد العامة. لكن السؤال الأهم هو:
هل المعلمون الذين تقرر الاستغناء عنهم هم الأقل كفاءة وأداءً، أم أنهم الفئة الأسهل إدارياً لإنهاء خدماتها؟
هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما ننظر إلى مخرجات التعليم.
في اختبار TIMSS 2023، حصل طلبة الصف الرابع في الكويت على 382 نقطة في الرياضيات، مقارنة بمتوسط دولي بلغ 503 نقاط، وحصلوا على 373 نقطة في العلوم، مقارنة بمتوسط دولي بلغ 494 نقطة. وجاءت الكويت في المادتين ضمن مجموعة الدول الأدنى أداءً بين الدول المشاركة.
والأكثر إثارة للقلق أن الفجوة بين الطلبة الأعلى والأدنى أداءً في رياضيات الصف الرابع بلغت 301 نقطة، وهي أكبر فجوة مسجلة بين الأنظمة التعليمية المشاركة.
هذه الأرقام لا تثبت أن المعلم غير الكويتي أفضل من المعلم الكويتي، كما لا تعني أن المعلم الكويتي أقل كفاءة. لكنها تثبت بوضوح أن رفع نسبة التكويت عددياً لم يتحول، حتى الآن، إلى تحسن مماثل في نواتج التعلّم.
وهنا تكمن القضية الأساسية:
تكويت التعليم يجب أن ينطلق من مصلحة الطالب ومصلحة الكويت، لا أن يتحول إلى أداة للتوظيف أو مجرد نسبة نحتفل بارتفاعها.
المعلم الكويتي الكفء هو الخيار الأفضل والأكثر استدامة للكويت، ومن واجب الدولة الاستثمار في إعداده وتأهيله وتمكينه. لكن الجنسية والشهادة الجامعية لا تكفيان وحدهما لضمان جودة التدريس، سواء كان المعلم كويتياً أم غير كويتي.
إذا كان لدينا فائض يتجاوز 33 ألف معلم، فيجب ألا يكون السؤال الأول: «مَن هو غير الكويتي؟»، بل:
مَن يمتلك الكفاءة العلمية والتربوية؟
مَن يحمل رخصة مهنية سارية؟
مَن تخرج في برنامج إعداد معلم معتمد؟
مَن يتقن مادته وأساليب تدريسها؟
مَن يثبت أثره في تعلّم الطلبة وتقدمهم؟
ومَن يحتاج إلى تطوير، أو إعادة توزيع، أو لا يصلح للاستمرار في المهنة؟
معالجة الفائض ينبغي أن تبدأ بتقييم مهني عادل يشمل الجميع، وفق معايير معلنة وموضوعية، ثم يُستغنى عن الأقل كفاءة، بصرف النظر عن جنسيته. وتكون الأولوية للكويتي عندما يحقق متطلبات الكفاءة، مع الاحتفاظ بالكفاءات غير الكويتية التي يحتاج إليها النظام التعليمي إلى أن يتوافر البديل الوطني المؤهل فعلاً.
كما أن التكويت الحقيقي لا يبدأ بقرار الإحلال، بل يبدأ من جودة كليات إعداد المعلم، والاعتماد الأكاديمي لبرامجها، ورخصة المعلم، والاختيار الصارم، والتدريب المستمر، وربط الترقي والاستمرار في الوظيفة بالأداء والأثر.
فالمدرسة ليست جهة لمعالجة البطالة، والمعلم ليس مجرد رقم في كشف التوظيف. المدرسة مسؤولة عن مستقبل أبنائنا، وعن إعداد رأس المال البشري الذي ستنافس به الكويت دول الخليج والعالم.
عندما تكون مصلحة الطالب والكويت هي الأولوية، لن يكون الاختيار بين كويتي وغير كويتي، بل بين معلم كفء ومعلم غير كفء.
والتكويت الذي لا يرفع جودة التعليم... هو تغيير في الجنسية، لا تطوير في التعليم.