لا تفسدوا «أرض العطلات»
ثمة رعب خاص ينتابني عندما ينتشر عبر الإنترنت شيء جميل أعتز به. قد تكون كنيسة بديعة لا تُرى روعة تفاصيلها إلا من زاوية معينة، أو شارعاً تصطف على جانبيه منازل بألوان الباستيل، أو قرية معلَّقة على منحدر فوق شاطئ ساحر.
أياً كان المكان، وسواء كان بوسيتانو أو باريس أو جزيرة سانتوريني، فما إن ينشر المؤثرون صوراً عنه حتى يندفع أتباعهم إليه. ما كنتَ أو كنتُ قد اكتشفناه مصادفة، مثل أن تقول: «يا لها من منازل جميلة»، يتحوَّل فجأة إلى خانة في قائمة إنجازات سياحية عالمية، ويريد الجميع الوصول إليها. تتشكَّل الطوابير، وتمتلئ الفنادق، ويجد السكان المحليون أنفسهم عاجزين عن التحرُّك من دون أن يصطدموا بالغرباء الذين جاؤوا من أجل صورة سيلفي.
وحتى المتاجر والمطاعم، وهي الأماكن التي قد نتوقع أن تُرحب بالزبائن الجُدد، أصبحت أكثر حذراً من تدفق الزوار الذي قد يصنعه الإنترنت. ففي اليابان، يحاول أصحاب الحانات والمطاعم الصغيرة في الأحياء إبعاد الحشود بوضع لافتات تقول: «يُرجى عدم استخدام تيك توك»، و«ممنوع التصوير أو التسجيل». وفي نانتوكيت هذا الصيف، علَّق صاحب متجر يبيع التحف والسلال المصنوعة يدوياً لافتة أمام متجره كتب عليها: «ممنوع دخول المؤثرين».
وفي مفارقة ساخرة، انتشرت اللافتة نفسها على الإنترنت، فأثارت الغضب والامتنان في آن. احتج البعض: كيف يجرؤ صاحب متجر على وصم مهنة تمارسها النساء في معظم الأحيان؟ بينما هتف آخرون: الحمد لله أن هناك مَنْ يقف في وجه أولئك الذين سئم سكان نانتوكيت من تحويل حياتهم إلى محتوى!
كل هذا مرَّ في ذهني، وشعرت بذلك الرعب الخاص، عندما رأيت صحيفة تصدر في نيويورك تمتدح المزايا السياحية للمنطقة التي أعيش فيها. فقد أشاد قسم السفر بجمال ساحل مين الساحلي الأوسط، واقترح على المسافرين قضاء 36 ساعة لاستكشاف أبرز معالمه. ووصف المنطقة المحيطة بخليج بينوبسكوت بأنها «دراسة في التناقضات»، لأن الطبقة العاملة تعيش هنا إلى جانب أصحاب الثروات.
لا يمكنني اتهام الصحيفة بالكذب. فالطبيعة هنا بالفعل وعرة وجميلة، والتناقض واضح بين قوارب صيد جراد البحر التي تنطلق إلى الأطلسي قبل الفجر، والمطاعم التي تقدم جراد البحر لزبائنها عند غروب الشمس. ثم إن ولاية مين ليست اكتشافاً سياحياً جديداً. شعارها الرسمي (أرض العطلات) مطبوع على لوحات سياراتنا، بحق السماء.
كان فرانكلين د. روزفلت يقضي الصيف في منزل عائلته على جزيرة إلى الشمال من هنا، وإلى الجنوب، تمتلك عائلة بوش منزلاً في كينيبانكبورت منذ عام 1902. ومنذ الحرب الأهلية الأميركية على الأقل، كانت منطقة الساحل الأوسط وجهة مفضَّلة لقضاء الصيف. أنا نفسي نشأت هنا، ثم غادرت، وكنت لسنوات طويلة واحدة من أولئك الذين يأتون إليها صيفاً. فلماذا أشعر بالرعب إذن؟ لأن السياحة الجماعية أصبحت مكثفة إلى درجة، ومتصلة بالتطفل والتصوير إلى حدٍّ يجعل الأماكن الجميلة مهددة، ليس فقط بفقدان خصوصيتها، بل بالتدمير تحت وطأة الحشود.
أُحب أن أصعد تلة بيتش هيل في جميع أنواع الطقس، ولا أصادف في الطريق عادة أكثر من شخص أو اثنين من المغامرين الذين يتحمَّلون الطقس مثلي. وفي الغالب أصل إلى القمة لأستمتع بالمنظر الرائع وحدي. لكن تسليط الضوء على هذه المحمية الطبيعية في المقال السياحي الأخير ينهي، بالنسبة لي ولغيري، أي أمل في العزلة.
فإذا قرَّر أحد المؤثرين التقاط صورة هناك، والخليج والجُزر بالخلفية، فانتهى الأمر. مثل برادة الحديد التي تنجذب إلى المغناطيس، سيشعر أفراد «لواء السيلفي» بأن عليهم الوقوف في المكان نفسه والتقاط صورهم الخاصة. إلا إذا كانت هناك بالفعل ثورة صغيرة على هيمنة الهواتف الذكية.
لدي معلومات موثوقة بأننا على أعتاب ما يُسمَّى «الاتجاه التناظري» أو العودة إلى الحياة الأقل اعتماداً على التكنولوجيا الرقمية. بعض المدارس بدأت تخزن هواتف الطلاب أثناء الحصص، والأطفال أصبحوا أكثر سعادة. وبعض النوادي الليلية بدأت تجمع الهواتف من الزبائن عند الدخول، مما يجعل الناس أكثر استعداداً للحديث، وأكثر رغبة في الرقص من دون الخوف من أن تنتشر لحظات مرحهم كلها على الإنترنت.
وإذا كان هذا الاتجاه بعيداً عن الحياة الرقمية آخذاً في الانتشار، فسأستعير من جوناثان سويفت فكرة «اقتراح متواضع». ربما ينبغي للسُّلطات في مين- وفي طوكيو وباريس وسانتوريني- أن تفكر في إقامة أكشاك لتحرير السياح من استبداد هواتفهم الذكية.
تعالوا إلى «أرض العطلات» بكل سرور، لكن من أجل «الذكريات، لا الصور».
* ميغان كوكس غوردون