وجهة نظر: هل يحسم «صقور الفدرالي» مسار الحرب الأميركية - الإيرانية؟
بمجرد انتهاء المؤتمر الصحافي لرئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأميركي) كيفن وارش، والذي أعقب قرار المجلس رفع أسعار الفائدة، وللمرة الأولى منذ 3 سنوات، بـ 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%-4.00%، صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الحرب مع إيران تدخل مراحلها الأخيرة.
صحيح أن تصريحاً كهذا ليس جديداً على ترامب منذ اندلاع الشرارات الأولى للحرب الأميركية - الإيرانية، وأنه ضمن مئات التصريحات التي يطلقها الرجل بشأن الحرب، مع شروق شمس كل يوم، معظمها إن لم يكن كلها، لم يكن يقصده أو ينوي تنفيذه، لكن هذا التصريح بالتحديد وفي هذا التوقيت بالذات له دلالاته.
فللوهلة الأولى، يبدو التصريح ضعيف الصلة بقرار «الفدرالي» رفع الفائدة أو حتى بتصريحات رئيسه المتشددة حيال أسعار الفائدة، وتوقعه بعملية رفع إضافية هذا العام، لكن اتساقاً مع المعطيات الاقتصادية، يعتبر تصريح ترامب وثيقاً بموقف «الفدرالي» ورئيسه بامتياز، بل أكثر من ذلك، فإن التصريح صدر كأول رد فعل جيوسياسي مباشر من حاكم البيت الأبيض، والأكيد أنه لم يكن أمامه إلا خيار إنهاء الحرب بعد خطوة «الفدرالي».
فمن ناحية يهدف تصريح ترامب إلى تهدئة الأسواق واستيعاب إصرار «الفدرالي» على رفع الفائدة واستباق نتائجه وتداعياته الاقتصادية، ومحاولة تهدئة معدلات التضخم التي ساهمت في ارتفاعها الحرب الجارية، لإثناء «الفدرالي» عن رفع معدلات الفائدة مرة أخرى.
ومن ناحية أخرى، يبدو أن ترامب يتعامل مع وارش بشكل مختلف تماماً عن تعامله مع سلفه جيروم باول، الذي سبق وأن راهن، في مثل تلك الأيام من العام الفائت، بالاقتصاد الأميركي، وربما العالمي، على منصبه، الذي فقده بالمناسبة، حين رفض رفع الفائدة، في ظروف كانت تستدعي ذلك، بما أثار حينها تساؤلات عن مدى استقلالية «الفدرالي» وتبعيته للبيت الأبيض، الأمر الذي أثار، حينها، تساؤلات أعمق حول اتهامات وجهت لباول بشأن مخالفات تتعلق بأعمال تجديد مبنى البنك المركزي.
أما في ما يتعلق بالرئيس الحالي للبنك، فرغم أن وارش تجنب التعليق على أي نقاشات أو ضغوط من الرئيس ترامب الذي كان يضغط لخفض الفائدة، فإن الأمر لا يتوقف فقط عند كون وارش وأنه بدا بهذه الخطوة أكثر جرأة من سلفه، أو عند استعادة «الفدرالي» لاستقلاليته أو حتى قدرته على التأثير على قرارات ومواقف للبيت الأبيض، وليس العكس، كسابقة لم تحدث منذ تولي ترامب زمام الأمور هناك، لكن يتعلق بمدى تحركات الدولة العميقة ومعسكر «صقور الفدرالي» لاستعادة هذا الزمام، ومدى استجابة رئيس أعلى سلطة نقدية هناك لهذه الدولة.
نعم، تحدّى كيفن وارش دونالد ترامب، وأظهر أوضح إشارة حتى الآن إلى استقلاله عن البيت الأبيض، بعدما نجح في حشد أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفدرالية الـ 12 خلف قرار رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، وجاء موقفه على النقيض من توقعات ترامب، الذي كان يعتقد أن اختياره لرئاسة الاحتياطي الفدرالي سيقود إلى خفض الفائدة. كما بعث برسالة واضحة إلى الأسواق مفادها استعداده لاتخاذ خطوات إضافية لكبح التضخم، رغم اقتراب الانتخابات النصفية الحاسمة، ولم يستطع ترامب إلا أن يبدي أسفه اتجاه القرار، لكنه عاد لاحقاً وأبدى ثقته في وارش، محمّلاً مسؤولية القرار إلى مجلس الاحتياطي الفدرالي الذي يضم الرئيس السابق جيروم باول والعضو ليزا كوك. وقال للصحافيين: إنه نصح وارش بالتصويت مع المجلس لأن النتيجة «لن تتغير»، على حد تعبيره.
بالتأكيد، كشف هذا الموقف عن تراجع قدرة ترامب على التأثير في قرارات البنك المركزي، في وقت تواجه الإدارة الأميركية ضغوطاً متصاعدة نتيجة الرسوم الجمركية والتوترات في الشرق الأوسط، والتي ساهمت في تفاقم أزمة تكاليف المعيشة، لكن يطرح الكثير من التساؤلات حول ما تحمله الأيام القادمة، هل نزع كيفن وارش فتيل معركة مع دونالد ترامب؟ وهل يصمد كثيراً أمامه، على الأقل، حتى الاجتماع القادم لـ «الفدرالي»؟ أم ينتصر ترامب عليه وعلى الدولة العميقة وصقورها داخل «الفدرالي»؟ وأخيراً، هل يحسم «الفدرالي» مسار الحرب مع إيران؟