استدراج في حديقة الحب
رجل أسمر بسيط الحال في الستينيات من العمر، وأنثى شقراء حسناء موثرة في الخمسينيات. كنت أرقبهم واستقرأت نظراتهم وابتساماتهم ولفتاتهم وإيماءاتهم وارتكاساتهم وانفعالاتهم... وكتبت:
المرأة: لماذا تنظر إليّ هكذا؟
الرجل: لا أنظر إليكِ لمجرد النظر، أنا أدرس الجمال، فجمالك خطير جداً.
المرأة باستغراب شديد: خطير، كيف اكتشف ذلك؟
الرجل: إنه يجعل الرجال الأذكياء ينسون ما كانوا على وشك قوله.
المرأة: إذن نسيت ما كنت تريد قوله؟
الرجل: تمامًا. لقد عطل وجهكِ مفرداتي.
تتوجس المرأة، وتستغرب كلماته وطريقة حديثه، فتحسبه متطفل أحمق، لكنها تتريث عن توبيخه قليلاً، وتسأله: أنت تغازلني.
الرجل: لا يا سيدتي، أنا أدرس الفلسفة، هي فن قول شيء معقد عندما تخشى قول شيء بسيط.
المرأة: وما هو الشيء البسيط الذي تخشى قوله ؟
الرجل: أن وجودكِ جعل هذا المقعد الخشبي يبدو وكأنه عرش.
بهذه المفردات استطاع الرجل كسب ودها بقليل من التركيز فهو لمس امتعاضها ونفورها فباغتها بكلمات معسولة تدغدغ المشاعر كي يتجنب مالا يحمد عقباه. فترد عليه: أنت حقًا تجيد الكلام.
الرجل: أعظم رفاهية للفقير هي قدرته على إقناع نفسه بحلّ مشاكله.
المرأة: لكنك تجلس هنا بملابس رثة بينما أرتدي ملابس فاخرة. ألا يزعجك هذا ؟
الرجل: لا على الإطلاق. لأن الملابس تستر الجسد، لا الشخصية. قميص حريري لا يُحوّل الأحمق إلى حكيم.
المرأة: تظن نفسك أحكم من الأغنياء ؟
الرجل: لا.. الحكمة لا تتحقق من رصيدك البنكي قبل أن تدخل عقلك.
المرأة: مثير للاهتمام.
الرجل: المال مفيد، لكنه مُعلّم سيء. يُمكنه أن يُعلّمك كيف تشتري سريرًا، لكنه لا يُعلّمك كيف تنام بسلام.
المرأة: ماذا يُعلّمك الفقر ؟
الرجل: يُعلّمك الفقر ثمن كل شيء.
المرأة: والحب؟
الرجل: يُعلّمك الحب أن بعض الأشياء لا تُقدّر بثمن.
المرأة: مثل ماذا؟
الرجل: كأنك تجلس بجانب شخص يجعلك تنسى أنك تجلس على مقعد مكسور.
المرأة: هل تتحدث عني؟
الرجل: أتحدث من منظور فلسفي.
المرأة: أنت دائماً تختبئ وراء الفلسفة.
الرجل: الفلسفة ملاذ الرجل الآمن عندما يكون قلبه مثقلاً بالذنب.
المرأة: مذنب بماذا؟
الرجل: بإعجابه بشيء لا يحق له الإعجاب به.
المرأة: وما الذي تُعجب به؟
الرجل: ذكائك.
المرأة: ذكائي فقط؟
الرجل: بالطبع.
المرأة: أنت تكذب.
بدهاء وخبث شديدين يباغتها الرجل: الحكيم يعرف متى يكذب.
المرأة: هذه فلسفة رديئة.
الرجل: الحكيم يعرف متى يكون الصمت أسلم من الصدق.
المرأة: إذن لو سألتك إن كنت تراني جميلة، فماذا ستقول؟
الرجل: الجمال في عين الناظر.
المرأة: هذا قول مأثور. أخبرني بفلسفتك.
الرجل: فلسفتي هي: لو كان الجمال جريمة، لاحتجتِ إلى محكمة، ولتطوعتُ لأكون محاميكِ.
المرأة: لماذا ستدافع عني ؟
الرجل: لأني أؤمن أن لكل امرأة جميلة الحق في محاكمة عادلة.
المرأة: وماذا سيكون الحكم؟
الرجل: مُذنبة.
المرأة: مُذنبة بماذا؟
الرجل: بسرقة انتباه رجل فقير كان منشغلاً بشؤونه.
المرأة: أنت لا تُصدق أبداً.
الرجل: أمارس هذه المهنة منذ أن أصبح الفقر مُعلمي.
بعد أن أدركت خبث محادثها، وقدرته الكبيرة على اللعب بالألفاظ أرادت أن تتعرف أهدافه المخبوءة، فقالت له: لنفترض أنني أعطيتك مالاً كافياً لتغيير حياتك. هل ستقبله؟
الرجل: سأقبل الفرصة، لكنني سأكون حذراً في إنفاق المال.
المرأة: لماذا؟
الرجل: لأن المال كالنار. في الأيدي الأمينة، يُطهّر طعامك. في الأيدي الخاطئة، يُحرق بيتك.
المرأة: إذن ماذا تريد حقاً؟
الرجل: سلام.
المرأة: سلام فقط؟
الرجل: وربما حسناء فاتنه ذات أنوثه جذابه تزعجه من حين لآخر.
المرأة: تقصدني؟
الرجل: لم أذكر اسمكِ.
المرأة: لم يكن عليكَ ذكره.
وبعد ذلك شعرت المرأة ان الرجل يقصدها بكلامه لكنه يتمتع بحنكة وفطنه فقد نجح في استدراجها.