إصلاح التعليم وجودته
نحيي وزير التربية على توجهاته المعلنة والهادفة إلى إصلاح التعليم لتحقيق بيئة تعليمية آمنة ومحفزة للتعليم والإبداع والتطوير.
وهو توجه استراتيجي من جهة، وتوجه مرحليٌّ من ناحية أخرى، لضرورة وجود مسار تعديل مباشر وتنفيذي في الأمور والموضوعات التي لا تحتمل التأخير، ويجب ألا تخضع للتأجيل، والتي ربما يكون منها ترشيق الجسد التعليمي من البطالة المقنعة والمتكدسة في مدارس وأجهزة الوزارة، بل يبارك تعجيل عجلة التكويت ويشجعه، فمستوى المعلم الكويتي اليوم في مستوى بعض المعلمين العرب من أصحاب الخبرة أو المهارات أو التأهيل المناسب، وربما يفوقهم.
لكن ينبغي الحرص على أن تكون المدارس والمؤسسات والأجهزة التعليمية بعيدة عن المزاجية والانتقائية، وفيها كفاءات متناظرة، وهو ما يتطلب تطويراً ومتابعة مستمرة للتأكد من جودة المعلم، مع تطبيق نظام خاص بتقييم المعلم ومعايير محددة لجودة تأهيله وجودة أدائه التعليمي، وفقاً لبرنامج خاص يتصل بـ "جودة المعلم"، ويتم الاسترشاد بالمرجعيات المعتمدة في هذا الخصوص لدى "اليونسكو" أو لدى أنظمة تعليمية متقدمة ونموذجية مثل النظام الفنلندي أو النظام الماليزي أو الياباني.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن التعليم في الكويت وخلال فترة العقدين ونصف العقد الماضية قد تعرض لحالات من التجريب و"القص واللصق" على نحو متكرر كل أربع أو خمس سنوات، سواء اتصل ذلك بالسلم التعليمي أو بمراحله أو بنظم التعليم وتغييرها أو بالمناهج وطريقة إقرارها وتغييرها أو حتى بالكتاب المدرسي، حتى يكاد المرء يشعر بحالة عدم الاستقرار التي يعيشها التعليم في الكويت بشكل لافت، وألد أعداء التعليم هو "حالة عدم الاستقرار"، وهي سبب هجرة الكثير من أبناء الكويت من التعليم الحكومي، بحثاً عن الأفضل في التعليم الخاص، وهو ليس بالضرورة كذلك.
وينبغي أن تكون هناك نظرة تنبع من المجتمع الكويتي نفسه وطبيعته، تنعكس على المناهج التعليمية، ومن أهمها الحرص على المواد أو المقررات التي تحرص على غرس القيم والتربية بالنموذج والقدوة، وتربط الشاب والفتاة بتقاليد بلاده الكويت وعاداتها، وأن يتم الحرص على متانة تعليم اللغة العربية، وأن تُعطى جرعات تعليمية تثقيفية للطالب بمجتمعه وهويته، على غرار ما كان يُدرَّس سابقاً تحت اسم "التربية الوطنية" لكن بنمط جديد ومنظور حديث يقسمها على جرعات طوال مدة الدراسة.
وكل تلك الأمور تعني ضرورة أن تكون جودة التعلم ومخرجاته هي جوهر الإصلاح، وليست أموراً شكلية أو إجرائية أو إعلامية فقط.
ومن هنا، لا مفر من عقد مؤتمر تعليم واسع لتقييم تجربة التعليم في الكويت وسبل تطويرها، فالنظام التعليمي الذي كان سائداً في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كان رصيناً ومتيناً وأثبت جودته بجودة مخرجاته وحصيلتهم العلمية وشخصياتهم التي قادت المجتمع الكويتي وطورته.
ولذلك، أتمنى من وزير التربية، بل من الحكومة برمتها أن تجعل التعليم العام نصب عينيها، وأن يكون تطويره حقيقياً لا مجرد هنّات هنا وهناك وأمور شكلية ودعائية لا تسمن ولا تغني من جوع.
ولا خلاف أن التعليم اليوم هو قوام المجتمعات الناجحة والمتقدمة، فالحرص عليه يعني حرصاً على حاضر الكويت ومستقبلها. ولا تنزلقوا للتعليم الإلكتروني الذي يؤدي إلى جمود العقل البشري، وتحل الآلة والميكنة محله بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وهو السر والسبب في تراجع كبريات الدول عن الاعتماد الكبير على التكنولوجيا في التعليم، وعودتها إلى التعليم الورقي والكتب للحفاظ على مهارات الإنسان الطبيعية وتطويرها.