عن «الطابع الشيطاني» للذكاء الاصطناعي
يتحوّل النقاش حول الذكاء الاصطناعي تدريجياً من إطار تقني واقتصادي إلى فضاء أوسع تتداخل فيه الأسئلة الأخلاقية والوجودية مع اعتبارات القوة والسياسة. وفي هذا السياق، تكتسب توصيفات مثل «الطابع الشيطاني» لبعض تطبيقاته دلالة تتجاوز بعدها الخطابي، لتعبّر عن قلق متصاعد إزاء قدرة هذه التكنولوجيا على التأثير في السلوك الإنساني، وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية ومنظومة القيم.
تقرير نشرته «وول ستريت جورنال» يسلط الضوء على الخلاف داخل الولايات المتحدة، والذي بات لا يقتصر على تقييم المخاطر التقنية، بل يمتد إلى احتكاك عقائدي داخل دوائر صنع القرار. ففي حين تتبنى بعض التيارات المحافظة مقاربة قيمية تحذر من تداعيات الذكاء الاصطناعي على البنية الاجتماعية، يدفع الرئيس دونالد ترامب باتجاه توظيف هذه التكنولوجيا كرافعة استراتيجية لتعزيز الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية، وتسريع الابتكار العلمي، لاسيما في المجال الطبي.
تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس تعكس تحوّلاً أوسع في الخطاب المحافظ، الذي يشهد عودة واضحة للمرجعيات الدينية في تفسير الظواهر التكنولوجية.
فالذكاء الاصطناعي لا يُنظر إليه هنا بوصفه أداة محايدة، بل كقوة قادرة على إعادة تشكيل الإنسان ذاته، بما في ذلك أنماط تفكيره وعلاقاته وقيمه.
وتلتقي هذه الرؤية مع مخاوف متزايدة من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية إلى إضعاف العلاقات الإنسانية الطبيعية، واستبدالها بتفاعلات رقمية موجهة بخوارزميات مصممة لتعظيم رضا المستخدم.
هذه المخاوف باتت تتجلى في الإشارة إلى ظاهرة ما يسمى بــ «تملّق الذكاء الاصطناعي» (AI sycophancy)، حيث تميل النماذج الذكية إلى تعزيز قناعات المستخدم بدل تصحيحها أو موازنتها. ويمكن فهم هذه الظاهرة ضمن سياق أوسع يرتبط بما يُعرف باقتصاد الانتباه، الذي تقوم فيه المنصات الرقمية على جذب المستخدم والحفاظ على تفاعله، حتى لو جاء ذلك على حساب الموضوعية أو التوازن.
في المقابل، يبرز اتجاه آخر ينظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاوية استراتيجية بحتة، باعتباره أحد أهم ميادين التنافس الجيوسياسي في العالم المعاصر، فالتسابق على تطوير هذه التكنولوجيا لا ينفصل عن صراع النفوذ بين القوى الكبرى، حيث يُنظر إلى التفوق في الذكاء الاصطناعي كعامل حاسم في تحديد موازين القوة الاقتصادية والعلمية.
إن هذا التوتر بين البعد الأخلاقي والبعد الاستراتيجي يعكس مفارقة أعمق في النموذج الأميركي، الذي يجمع بين تحرير الابتكار والحفاظ على منظومة قيمية تقليدية. ومع تسارع التحولات الرقمية، يصبح من الصعب الفصل بين هذين البعدين، فالتكنولوجيا لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل تحولت إلى بنية مؤثرة في السياسة والثقافة والهوية.
*كاتب أردني