حين يصبح تغيير الرأي تهمة
لماذا أصبح تغيير الرأي أصعب من الاعتراف بالخطأ؟ في زمن السرعة، لم نعد نمنح أفكارنا الوقت الكافي لتنضج. نقرأ عنواناً فنكون موقفاً، نشاهد مقطعاً فنصدر حكماً، نسمع رواية فنختار طرفاً، ثم نمضي في الدفاع عما قلناه، لا لأنه بالضرورة صحيح، بل لأنه أصبح جزءاً من صورتنا أمام الآخرين. المشكلة ليست في أن نخطئ، فالخطأ جزء من طبيعة الإنسان، إنما في أن يتحول التراجع عن الخطأ إلى مصدر للحرج، وكأن تغيير الرأي ضعف أو هزيمة. لقد صنعت منصات التواصل بيئة تجعل المواقف أكثر علنية، وتمنحها عمراً أطول... فما نقوله اليوم قد يبقى غداً شاهداً علينا، حتى لو تغيرت معرفتنا أو اكتشفنا أن الصورة التي وصلتنا كانت ناقصة. وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: «كلما ازدادت المعلومات المتاحة لنا، أصبحنا أحياناً أقل استعداداً لمراجعة قناعاتنا، فنحن لا نبحث دائماً عن الحقيقة، بل قد نبحث عما يؤكد ما نعتقده مسبقاً». نقرأ من يشبهنا، ونستمع إلى من يوافقنا، ونغضب ممن يقدم لنا زاوية مختلفة... ومع الوقت، يصبح الرأي موقفاً شخصياً ندافع عنه، بدل أن يكون فكرة قابلة للنقاش والتعديل... والنتيجة مجتمع يتحدث كثيراً، لكنه لا يستمع بما يكفي. الحل لا يبدأ بإقناع الآخرين بتغيير آرائهم، بل بإعادة الاعتبار إلى فضيلة نادرة: «التريث». أن نتعلم ألا نحكم من المعلومة الأولى، وأن نترك مساحة لاحتمال أن تكون روايتنا ناقصة، وأن نمنح الطرف الآخر فرصة للشرح قبل إصدار الحكم، وأن نربي أبناءنا، في البيت والمدرسة، على أن قول «كنت مخطئاً» ليس انكساراً، بل علامة على النضج. ونحتاج كذلك إلى ثقافة اجتماعية لا تعاقب الإنسان على مراجعة موقفه، فمن غير المنطقي أن نطالب الناس بالتفكير، ثم نسخر ممن غيّر رأيه بعد أن تعلم أو عرف تفاصيل جديدة. ليس عيباً أن نغير رأينا، العيب أن نعرف الحقيقة ثم نتمسك بالخطأ خوفاً من كلام الآخرين. ربما نحتاج اليوم إلى أن نستعيد حقاً إنسانياً بسيطاً: «أن نفكر دون استعجال، وأن نراجع دون خجل، وأن نغير مواقفنا عندما تتغير معرفتنا»، فالنضج ليس أن تكون دائماً على صواب، إنما أن تمتلك الشجاعة الكافية لتقول: «كنت أرى الأمر بطريقة مختلفة... ثم تعلمت».
*كاتب سعودي