الأغلبية الصامتة: أم قشعم
يقول المثل العربي «إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم» للدلالة على الدعاء على شيء أو شخص للذهاب من دون رجعة، وهذا بالضبط ما حدث لاجتماع صلالة الذي تأجَّل، وكان النظام الإيراني يُريد توريط دول الخليج فيه.
كان موقف مملكة البحرين، بمقاطعة اجتماع صلالة قبل تأجيله لبحث ملف الملاحة في مضيق هرمز، موقفاً لافتاً، ومستنداً إلى ركائز سيادية وقانونية واضحة، أولها أن المملكة لن تكون طرفاً في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين.
والثاني أن أي ترتيبات تخص مضيق هرمز يجب أن تستند حصراً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، وأن تضمن «حق المرور البريء» لجميع السفن من دون قيود أو رسوم أو تصاريح إيرانية. ثالثاً: أكدت المنامة أن الحوار الدبلوماسي لا يمكن أن يقوم على حساب تجاوز الاعتداءات المستمرة التي تطول البنى التحتية والأعيان المدنية في دول الخليج.
ولعل توقيت الاجتماع جاء مناقضاً للواقع، إذ تعرَّضت السعودية، ولا تزال، لهجمات أذرع طهران بطائرات مسيَّرة استهدفت خط أنابيب النفط «شرق- غرب» وأهدافاً مدنية أخرى، قادمة من العراق واليمن عبر ميليشيا الحوثي. فكيف إذاً يمكن التفاهم مع طرف متناقض وعدواني على طاولةٍ واحدة؟ وهذا ما دفع بالرياض إلى رفض الجلوس مع طهران في وقت تتعرَّض منشآتها الاقتصادية والمدنية للقصف اليومي.
الأمر الثاني والمهم، أن النظام الإيراني لم يكن يبحث عن مخارج للأزمة بقدر ما كان يسعى لتمرير بنود جدول أعماله وفرض نفوذه على خرائط جديدة لمسار بحري مختلق، وانتزاع اعتراف خليجي جماعي بإدارته للمضيق، وهو ما يُعد رسالة واضحة لواشنطن بأن دول الخليج تقف مع النظام الإيراني في ترتيبات الأمن الإقليمي بتوقيت ما زالت فيه أجواء التصعيد العسكري وعودة الحرب مشتعلة.
لقد أثبت تأجيل اجتماع صلالة أن الدبلوماسية الخليجية أكثر يقظةً تجاه المناورات الإيرانية، وأكثر إدراكاً بأن الطرف الذي يتم التفاوض معه ليس هو الطرف الذي يملك أزرار إطلاق الصواريخ والمسيَّرات، وبالتالي فلا جدوى من التفاوض مع طرف لا يضمن لها تحقيق الأمن للمنشآت والأرواح وسلامة الملاحة البحرية في مضيق هرمز.
ختاماً: لقد نجحت دول الخليج في تجنُّب «فخ صلالة»، وفي ظني أنه حلم وتبخَّر للأبد.