مَنْ يرسم خريطة العالم؟

نشر في 15-09-2026
آخر تحديث 14-09-2026 | 18:34
 د. بلال عقل الصنديد

ليست الخريطة مجرد ورقة تحدد مواقع الدول ومساحات اليابسة والمياه والحدود. إنها، في جانب منها، طريقة لرؤية العالم. وما نراه على الخريطة قد يبدو حقيقة جغرافية ثابتة، في حين هو أحياناً نتيجة اختيار تقني أو سياسي أو تاريخي.

قبل أيام، أيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً - غير ملزم - يدعم استخدام إسقاط «Equal Earth»، الذي يعرض مساحات القارات بصورة أقرب إلى حقيقتها، بعدما ظل إسقاط «Mercator» حاضراً بقوة في الخرائط التعليمية والعامة. وفي الإسقاط الجديد تبدو إفريقيا بحجمها الحقيقي تقريباً، بينما تنكمش غرينلاند إلى حجم أكثر تناسباً مع مساحتها الفعلية. وقد أيد القرار 164 بلداً، في حين صوتت الولايات المتحدة وحدها ضده، معتبرة المبادرة انشغالاً أيديولوجياً لا يخدم أولويات المنظمة.

وتكتسب هذه المسألة دلالة أخرى في وقت يعود حتى اسم المواقع الجغرافية إلى دائرة التجاذب السياسي. فقد طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة إعادة تسمية مضيق هرمز ليصبح «مضيق ترامب»، في امتداد لجدل سابق حول استخدام الإدارة الأميركية اسم «خليج أميركا» بدلاً من «خليج المكسيك».

وقد لا يغيّر تبديل الاسم من الواقع الجغرافي أو الوضع القانوني للمكان، لكنه يذكّر بأن أسماء المواقع الجغرافية ليست دائماً محايدة، وأن اختيار الاسم قد يتحول، في بعض الأحيان، إلى وسيلة للتعبير عن النفوذ والرؤية السياسية.

ومن هنا يمكن فهم حساسية الخرائط في منطقتنا. فمنذ الحرب العالمية الأولى، لم تتشكل حدود الشرق الأوسط دفعة واحدة، ولم تكن نتيجة اتفاق واحد رسم جميع الخطوط التي نعرفها اليوم. فقد مثّلت اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916 اتفاقاً سرياً بريطانياً - فرنسياً لتحديد مناطق النفوذ والسيطرة المحتملة على أراضي الدولة العثمانية، ثم تتابعت بعد الحرب ترتيبات سياسية وقانونية أخرى، في ظل نظام الانتداب والمعاهدات والتسويات الدولية، وأسهمت جميعها في رسم الخريطة السياسية الجديدة للمنطقة. ولذلك فإن اختزال هذا التاريخ المعقد في «خط سايكس - بيكو» وحده ليس دقيقاً، مع بقاء الاتفاقية محطة أساسية في إعادة تشكيل المجال السياسي للشرق الأوسط بعد انهيار الدولة العثمانية التي انتهت بعدما أصبحت كالرجل المريض مرض الموت.

الخرائط إذاً لا تعكس العالم فقط، بل تكشف أيضاً شيئاً من موازين القوة التي تتحرك داخله. فالحدود قد ترسمها الحروب والتسويات، والأسماء قد تفرضها الدول أو تتنافس عليها، وحتى الصورة التي نرى بها القارات يمكن أن تتأثر باختيار تقني يبدو محايداً.

وفي عالم تتغير فيه مراكز القوة، يصعب النظر إلى الخريطة باعتبارها حقيقة نهائية. فالصين توسع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي، والهند تترسخ كقوة دولية صاعدة، وإفريقيا تعيد طرح موقعها في الاقتصاد والسياسة العالميين، فيما تعيد الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا حساب مصالحها وأدوارها في نظام دولي يتجه نحو قدر أكبر من التعددية والتنافس. 

فأين نحن مما يدور حولنا؟ والأهم: أين نحن مما يعاد رسمه من حولنا، ومن يملك اليوم القدرة على التأثير في مستقبل حدودنا ومصالحنا وموقعنا في العالم؟

* كاتب ومستشار قانوني

back to top