لا استدامة دون سلامة

نشر في 15-09-2026
آخر تحديث 14-09-2026 | 18:37
 م. عبدالله مرزوق العازمي

لا تختبر الدول جاهزيتها في أوقات الاستقرار، بل في اللحظات التي تكشف قدرتها على حماية الإنسان واستمرار الحياة وسط الأزمات والتحديات، فالأزمات لا تكشف قوة الأنظمة فقط، بل تكشف أيضاً حجم الضعف الذي قد يكون مختبئاً خلف الإجراءات والشعارات.

وفي ظل المتغيرات المتسارعة لم تعد الحوكمة والاستدامة مجرَّد مفاهيم نظرية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من بناء أنظمة أكثر قدرة على الاستقرار ومواجهة المستقبل. وفي الكويت، ومع التوجه نحو مشاريع تنموية ورؤية طويلة المدى، تبرز أهمية الجاهزية وإدارة المخاطر والأزمات، باعتبارها عناصر أساسية في استمرارية التنمية، خصوصاً بعد أن كشفت الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة عن أن استهداف البنية التحتية والخدمات الحيوية لا يختبر قوة الأنظمة فقط، بل يختبر أيضاً مستوى الجاهزية.

من هنا يبرز تساؤل جوهري: إذا كانت الحوكمة تهدف إلى بناء أنظمة أكثر كفاءة وشفافية، وكانت الاستدامة تسعى إلى ضمان الاستمرار على المدى الطويل، فأين تقع السلامة ضمن هذه المعادلة؟ وهل يمكن تحقيق الحوكمة والاستدامة بصورة حقيقية من دون وجود ثقافة سلامة راسخة تشكِّل أساس الجاهزية والاستقرار؟

فالحوكمة لا تظهر بكثرة اللوائح، بل بقدرة المنظومة على اتخاذ القرار والتعامل مع المخاطر بكفاءة، فيما تعكس السلامة مستوى الوعي والاستعداد لحماية الإنسان قبل تحوُّل المخاطر إلى أزمات. وعندما تغيب الحوكمة الفعَّالة، قد تتحوَّل السلامة إلى إجراءات شكلية تكشف عن ضعف المنظومة بالكامل عند أول اختبار حقيقي.

هذا ما يفسِّر لماذا أصبحت السلامة اليوم قضية تتجاوز الجانب التشغيلي، خصوصاً مع الخسائر البشرية والاقتصادية الناتجة عن ضعف أنظمة السلامة حول العالم. 

وتشير تقديرات دولية إلى أن ضعف ممارسات السلامة والصحة المهنية يكلف الاقتصاد العالمي ما يقارب 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، وهو ما يعكس تأثير السلامة المباشر على الاستقرار والتنمية واستدامة الأنظمة على المدى الطويل.

لهذا لا يمكن التعامل مع السلامة والحوكمة والاستدامة كملفات منفصلة، لأن ضعف أحد هذه العناصر ينعكس مباشرةً على كفاءة العناصر الأخرى وقدرة المنظومة على الاستمرار، فالسلامة ليست إجراءً يُطبق بعد وقوع الأزمات، بل الأساس الذي تبدأ منه قوة الأنظمة وقدرتها على حماية الإنسان والاستعداد للمخاطر، فيما تمثل الحوكمة العنصر الذي ينظم القرار ويعزز وضوح المسؤوليات وكفاءة إدارة المنظومة. وعندما تعمل هذه العناصر بصورةٍ مترابطة تتحوَّل السلامة من إجراءات مكتوبة إلى ثقافة تقوم على الوعي والمسؤولية والاستعداد، لتصبح الاستدامة نتيجة طبيعية لمنظومة قادرة على الاستمرار بثقة وكفاءة مهما تغيَّرت الظروف.

back to top