بدون مجاملة: سنة الحياة
شغل موضوع العيش والأجل الإنسان على مر العصور، وحاك حوله الأساطير والخيالات، وطالما راوده حلم الخلود.
وعلى امتداد العقود السابقة كثرت الدراسات حول الصحة والمرض والمناعة والضعف، والقوة الجسدية وارتباطها بالوراثة والعادات، تحسنت الخدمات الصحية وانتشر الوعي، وانقلب حال البعض إلى هوس في العمر الطويل وحفظ الشكل! وليس العمر الطويل وحسن العمل.
تردد التغني بالشباب عبر التاريخ، ويتكرر تفضيل صغر السن، من الذي حدد بأن للحياة سنا معينة؟ ولماذا يهاب البعض خطوط البشرة والشيب؟ ليسميها التسويق عيبا! ويبيع منتجات ويجري جراحات لإخفائها! يولد الإنسان وقد كتب له رزقه وأجله، يقضي في الحياة ما شاء الله له، فهل هناك سن للموت؟ يموت الشيخ والشاب والرضيع بعلة أو بدونها.
الحياة سلسلة من المراحل المتعاقبة والتحديات، لا تتماثل بين الأفراد، فلا يوجد سن للنجاح، ولا لممارسة نشاط أو هواية، لا يوجد سن للزواج، ولا الدراسة والتعلم، أو للتنزه والجلوس مع الأصدقاء.
الحياة عبارة عن فصول، ولكل فصل وضعه الخاص، فهي فترة وليست أزمة! لها أحداثها ومنجزاتها، أشخاص وأماكن، مواقف ودروس، تشكل جزءاً من تاريخنا وذكرياتنا، ثم تنقضي لتحل محلها أمور أخرى وشؤون مختلفة وحالات جديدة.
التغير سنة كونية، الأجيال تتوالى والسنون تنقضي، هذا هو «واقع» الحياة منذ القرون الأولى وليس تحولاً مفاجئاً، هذا هو النموذج الدنيوي، التقدم في العمر وتغير الحال والمظهر، لماذا يواجه بالأسف وحيل مكشوفة للهروب؟ لماذا يختزل البعض العمر على أنه كبر وعجز ويشطب مسألة التجارب والنضج؟ ثم أين هؤلاء التعساء المنتحبون من سير القادة والمبدعين الذين حققوا وتميزوا في مرحلة متقدمة من حياتهم -وبشتى المجالات وعلى اختلاف الأزمنة- لا يسعنا في هذا المربع أن نسرد شخصية واحدة.
ظهر مصطلح «أزمة منتصف العمر» ساعياً إلى فهم ما يحدث للمرء بعد سن الأربعين، واختلطت التفسيرات وجُسدت حتى في الأعمال الفنية الساخرة على أنه تراجع في السلوك، بحيث لا يتناسب مع المرحلة العمرية، إلا أن تقدم الدراسات خلص إلى عكس الفهم السطحي السائد، وهو أن عدداً كبيراً من الأفراد نما عنده الشعور بالرضا والاستقرار والاتزان، هؤلاء قد اختاروا فهم ذواتهم واحتياجاتهم، ومواجهة مشكلاتهم، التفاؤل وإدارة الضغوط، وتقوية روابطهم الأسرية والمساهمة في المجتمع.
الحياة ماضية على سنتها التي أوجدها الله عز وجل، في الاختلاف والتجدد، وهذا ما يمنحها التنوع والاستمرارية. مهما حصدت من السنوات، مهما فاتك من الأشياء، أنت هنا...
فكيف تنفي الحياة عن الحي؟