وجهة وطن: أنا الخليجي
على مدى عقود كانت أغنية «أنا الخليجي والخليج كله طريقي» تعكس صورة من وحدة الصف بين دول مجلس التعاون الخليجي والتضامن بين شعوب المنطقة في إقليم ظل سنوات طويلة، خصوصاً عقب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، من أقل مناطق العالم توتراً وأضخمها من حيث الثروة.
إلا أن الحرب الإقليمية التي اندلعت في نهاية فبراير الماضي قد مثّلت اختباراً مهماً وقاسياً لدول وشعوب مجلس التعاون الخليجي بشكل، ربما، يُعيد صياغة الكثير من الفرضيات التي كانت ثابتة عقوداً.
فالحرب الإقليمية التي لا تزال تشكل ضغطاً أمنياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً خطيراً على دول الخليج العربي تجلّت في عدد من الصور السلبية، منها التدخل العسكري الصهيوني، لأول مرة، في المنطقة الخليجية، وكذلك الاعتداءات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب تحوّل مضيق هرمز أهم الممرات المائية في مجال صادرات النفط والغاز إلى «لعبة» يستعرض فيها الإيرانيون والأميركان نفوذهم على حساب قوانين الملاحة البحرية، فضلاً عن الفجوة غير المسبوقة بين سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومصالح دول «مجلس التعاون» مع الأخذ في الاعتبار تنامي مخاطر الميليشيات الإقليمية غير المنضبطة.
في ظل هذه الأوضاع التي تمثل تحديات متصاعدة وصعبة لا تبدو «أنا الخليجي» مجرد أغنية حماسية أو مقولة عاطفية، بل من المفترض أن تتحول إلى مشروع يرفع لمنظومة دول مجلس التعاون كفاءتها في التعامل مع المتغيرات الدولية، ويستوعب خلافات مكوناتها مهما تباعدت الرؤى، ويعيد ترتيب أولوياتها بما يجعل للاقتصاد وزناً أكبر من حيز اهتماماتها، ويعطي مواطني دولها دوراً أكبر في إدارة الثروات وجودة المشاريع ورسم المستقبل... فالأزمة التي تعرّض لها الإقليم مثلما بيّنت المخاطر والسلبيات واجبة التلافي قدمت نماذج وإيجابيات من المهم البناء عليها وتطويرها.
لتكن «أنا الخليجي» أعمق من مقولة أو أغنية نرددها بشكل عاطفي، لتتحول إلى مشروع إصلاح لبنية مجلس التعاون الخليجي ومكوناته، فمجالات السياسة والأمن والاقتصاد والتجارة وغيرها اليوم متغيرة الأوضاع ومتصاعدة المخاطر وتحتاج دائماً إلى صيغ فاعلة تتعامل مع التطورات والتقلبات وفقاً لقواعد الكفاءة ومعايير المصلحة، وهو ما قد يصعب تحققه ما لم تطور منظومة مجلس التعاون وفقاً لتصاعد تحديات الإقليم والعالم.