سمك الصبور

نشر في 11-09-2026
آخر تحديث 10-09-2026 | 18:31
 أحمد محمد العبدالعالي

في منتصف التسعينيات، ذهبت إلى أرض الكنانة مصر، حفظها الله، - التي استوصى النبي، صلى الله عليه وسلم، بها وأهلها خيراً - للدراسة في كلية الحقوق بجامعة عين شمس. كانت بداية عام دراسي جديد وتجربة مهيبة لشاب يغترب عن أهله للمرة الأولى.

استقبلني هناك العم الفاضل منصور المهيني؛ ابن أخ النوخذة المعروف صالح المهيني، رحمهما الله تعالى جميعاً، وأقمت معه فترة في شقته بالدقي المطلة على شارع محيي الدين أبوالعز، قبل أن أستقر بعد ذلك في شقة بمفردي.

كان رحمه الله يخرج كل صباح إلى بلكونة الشقة ويمكث فيها طويلاً متأملاً المارة، ومستمتعاً بما يراه من مشاهد، ثم يأتينا عند الغداء بقصة أو موقف رآه حتى أصبحت أنتظره بشوق ليحكي لنا قصة جديدة وموقفاً جديداً.

وذات يوم جلسنا إلى مائدة الغداء وكان عليها سمك الصبور، وهي سمكة معروفة عند أهل الكويت والخليج، لذيذة الطعم، لكنها مشهورة بكثرة شوكها الدقيق.

رآني، رحمه الله، آكلها بحذر شديد، خائفاً من الشوك الدقيق الذي فيها، فضحك وقال: ليس هكذا يؤكل الصبور، خذ اللقمة وامضغها جيداً فإن اعترضتك شوكة فالتهم بعدها تمرة.

وكنت مع الأخ وصديق العمر محمد السالم (أبو عبداللطيف)، وذكرت له هذا الموقف، فأكد لي أن جده ابن النوخذة عبداللطيف العيسى كان يذكر نفس الطريقة في أكل الصبور.

فكم من شوكة صغيرة نقف أمامها في الحياة حتى تبدو في أعيننا عظيمة، بينما يراها أصحاب الخبرة والتجربة أمراً يسيراً مرّوا بمثله مراراً وعرفوا كيف يتجاوزونه.

لذلك احرص على أن يكون حولك من أهل العقل والخبرة والتجربة، مَن يبصرونك بما لا تبصر، ويهونون عليك ما استعظمته، ويدلونك على الطريق حين تتزاحم أمامك العوائق.

ومضت سنوات مصر الجميلة، وكان فيها من الشوك ما فيها، ولكن حلاوة الغاية أنستني مشقة الطريق حتى أكرمني الله بالتخرج.

وهكذا الحياة لا تنال الغايات بالأماني ولا يفرش لطالب المجد السجاد الأحمر؛ وإنما بالاستعانة بالله تعالى ثم العزم والعمل والصبر.

وصدق الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني

ولكن تُؤخذ الدنيا غلابا

ولعل أجمل ما بقي في ذاكرتي من تلك المائدة أن بعض أشواك الحياة لا تحتاج إلى أن نهرب منها، بل أن نتعلم كيف نتجاوزها.

back to top