حان الوقت ليلعب فتيان أميركا كرة القدم
أعترف بأنني متحيز، فأنا ابن مدرب لكرة القدم، وأب أمضى الشهر الماضي يقود ابنه، وهو في الصف الأول الثانوي، إلى تدريبات صباحية ومسائية، أحياناً في حرارة تتجاوز 100 درجة.
لكن المرء لا يحتاج إلى أن يكون مهووساً بكرة القدم، ليدرك أن هذه الرياضة أصبحت اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مهمة للفتيان بين 12 و18 عاماً.
على امتداد التاريخ والثقافات، كانت هناك 4 مؤسسات كبرى تصنع الرجال: الأسرة، والدين، والعمل، والحرب.
كانت الأسرة تربّي الأبناء ليصبحوا أزواجاً وآباء، وكان الدين يجبرهم على مواجهة الطبيعة البشرية والخطيئة والخلاص، وكان العمل يعلّمهم تلبية احتياجات الآخرين، ويصنع فيهم الصلابة والمثابرة.
أما الحرب، أو بصورة أوسع واجب حماية المجتمع، فكانت تعلّمهم أن القوة ليست امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية تجاه الآخرين.
لكنّ الحرب والعمل تراجعا من حياة معظم شبابنا، ولحُسن الحظ إلى حد كبير، فقد أصبحت مجتمعاتنا أكثر أمناً مما كان يمكن لإنسان في العصور القديمة أو الوسطى أن يتخيله. ومع ذلك، فإن السلام ليس أمراً طبيعياً يحدث من تلقاء نفسه، إنه إنجاز يحتاج إلى يقظة مستمرة. ومن السهل أن ننسى ذلك عندما لا يخدم في الجيش الأميركي سوى أقل من 1 بالمئة من السكان.
والعمل نفسه لم يعُد تجربة تكوينية كما كان في الماضي، فعندما كنت طفلاً في نبراسكا، كان العمل في حقول الذرة طقساً من طقوس الانتقال إلى الرجولة. كنا نستيقظ في الرابعة والنصف فجراً، ونعمل وسط الندى البارد ثم حرارة الظهيرة الحارقة.
أما اليوم، فقد كادت التكنولوجيا تقضي على هذه التجربة، ليس في المزارع وحدها، بل في مختلف أنحاء البلاد، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، يتراجع عمل المراهقين باستمرار، ولم يحصل على وظيفة صيفية هذا العام سوى نحو 35 بالمئة منهم.
قد يكون ذلك جزءاً من الثمن الاقتصادي للتقدم، لكنه يظلّ ثمناً ينبغي أن نعترف به.
ومع تراجع الحرب والعمل، ملأت الفراغ مؤسستان جديدتان: المدرسة البيروقراطية والإعلام الرقمي. وفي المحصلة، أرى أن كليهما أسوأ من البدائل التي حلّا محلها.
المدرسة الحديثة، بنموذجها الصناعي، تجعل الصغار سلبيين، داخل المباني، وفي وضعية التلقي. لكن الروح البشرية ليست سيارة تُصنع على خط إنتاج. أما عالم الشاشات، فيدفع الشباب أكثر نحو العزلة والإدمان والهروب من الواقع. فالإغراءات الرقمية لا تنتهي، والشباب ينسحبون شيئاً فشيئاً من العالم الحقيقي إلى الوحدة والعجز. ويقول 61 بالمئة من الرجال الشباب إنهم يشعرون بأن لديهم «سيطرة قليلة» على ما يحدث في حياتهم. هذه ليست مشكلة صغيرة، بل أزمة تتراكم ببطء.
الشباب يحتاجون إلى أن يحتفوا بقوتهم، وأن يتعلموا كيف يوجهونها، فالرجولة ليست كلها «ذكورة سامة». نحن بحاجة إلى رجال شباب مفعمين بالطاقة والطموح، لكنهم يتعلمون السيطرة على أنفسهم. المجتمع يحتاج إلى رجال أقوياء. وهنا تكمن قيمة كرة القدم.
كرة القدم مؤسسة لتكوين الشخصية لأنها توجّه القوة بدلاً من أن تطلقها بلا ضابط.
في عالم الإشباع الفوري، تعلّم اللاعب المثابرة من خلال التدريبات المبكرة والعضلات المؤلمة، وفي عصر العزلة، تمنحه مجتمعاً وأخوة تُبنى من المعاناة والفرح معاً، وفي ثقافة السلبية، تفرض عليه الفعل.
والأهم أن كرة القدم تضع للعنف حدوداً صارمة، ففي 4 أشواط، تتبادل الهجمات والدفاعات أقصى درجات القوة، لكن من خلال قواعد واضحة، يُعاقب على الضرب بعد صافرة الحكم، ويُحظر استهداف اللاعب الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ويُنبذ التنمر في غرفة الملابس، ويُحتقر اللاعب الذي يرفض مصافحة خصمه بعد المباراة.
ولكي تتحول القوة إلى فضيلة، يتعلم اللاعب التضحية وتأجيل الإشباع. تلك هي قيمة التكرار الإضافي عندما يريد عقلك أن تستسلم، لكن عضلاتك لم تستسلم بعد، وذلك هو معنى تحمُّل الألم من أجل زملائك.
شخصية الشاب لا تُبنى دائماً عبر التفكير في الفضائل، بل عبر ممارستها. وعندما يختار أن يتعب ويتألم من أجل فريقه، فإنه يتعلم بالفعل معنى التضحية والانضباط والمسؤولية.
لم يلعب الرسول بولس كرة القدم، ولم يستعد يوماً ركلة جانبية، لكنه علم أن المعاناة تنتج المثابرة، وأن المثابرة تنتج الشخصية، كان بولس منشغلاً بما هو أهم: خلاص الأرواح، أما ملعب كرة القدم فلا يقدّم خلاصاً أبدياً.
لكننا، ما دمنا نعيش شرق عدن، سنظل بحاجة إلى رجال أقوياء وغير أنانيين. ولهذا السبب تحديداً، نحن مدينون لفتياننا بأن نمنحهم كرة القدم.
* بن ساس