السلطة الخامسة... حين يصنع العطاء قوة وطن

نشر في 11-09-2026
آخر تحديث 10-09-2026 | 18:29
 أ.د. فهد عبد الرحمن الناصر

عندما نتحدث عن سلطات الدولة، يتجه الذهن مباشرة إلى السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، ثم يأتي الإعلام بوصفه السلطة الرابعة. لكن في الكويت، ثمّة قوة أخرى شُكّلت بهدوء، ونمت بعيدا عن الأضواء، حتى أصبحت أحد أهم روافع حضور الدولة في العالم... إنها الجمعيات واللجان الخيرية؛ ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً «السلطة الخامسة».

قد يستغرب البعض هذا الوصف، لكن السلطة ليست دائما قرارا يُوقَّع، أو منصبا يُمنح، أو قانونا يُسَن.

فالسلطة، في أحد معانيها الأعمق، هي القدرة على التأثير، وعلى صناعة التغيير، وعلى ترك أثر يبقى بعد أن تنتهي الأحداث. وإذا كان هذا هو معيار السلطة، فإن ما صنعته الجمعيات الخيرية الكويتية خلال عقود يجعلها جديرة بهذا الوصف؛ سلطة لا تُقاس بما تفرضه، بل بما تمنحه.

على مدى عقود، استطاعت الجمعيات الخيرية الكويتية أن تبني منظومة عمل مؤسسية يُشار إليها بالبنان. لم يعد دورها مقتصرًا على توزيع المساعدات أو تنفيذ المشاريع الموسمية، بل أصبحت مؤسسات تنموية متكاملة، تعمل في التعليم، والصحة، والإغاثة، ورعاية الأيتام، وبناء المدارس، وحفر الآبار، وتمكين الأسر، والتدريب، والتنمية المستدامة، والاستجابة للكوارث والأزمات الإنسانية.

ولعل أكثر ما يميز هذه المؤسسات أنها لا تنتظر الظروف المثالية؛ بل تصل إلى الأماكن التي يعجز كثيرون عن الوصول إليها. في قرى نائية، ومناطق منكوبة، ومجتمعات تعاني الفقر أو النزاعات، تجد أثرًا يحمل اسم الكويت قبل أن ترى علمها.

وهنا تتجلى القوة الحقيقية، ففي عالم أصبحت فيه القوة الناعمة أحد أهم أدوات التأثير الدولي، نجحت الجمعيات الخيرية الكويتية في تقديم نموذج فريد. فهي لا تنقل الأموال فقط، بل تنقل القيم، وتبني الجسور، وتصنع علاقات إنسانية تتجاوز الحدود والثقافات واللغات.

إنها دبلوماسية من نوع مختلف... دبلوماسية لا تبدأ من قاعات المؤتمرات، بل من مدرسة أُنشئت لطفل حُرم من التعليم، أو مستشفى أعاد الحياة لمريض، أو بئر ماء أنهت معاناة قرية بأكملها.

ولذلك، فإن الجمعيات الخيرية الكويتية لم تعد مجرد مؤسسات خيرية، بل أصبحت شريكًا حقيقيًا في تعزيز المكانة الدولية لدولة الكويت، وترسيخ صورتها كعاصمة للعمل الإنساني.

لكن هذا النجاح الكبير يفرض مسؤولية أكبر؛ فالعالم يتغير بسرعة، والعمل الخيري لم يعد يُقاس بحجم الإنفاق فقط، بل بقدرته على صناعة الأثر، والاستفادة من التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وقياس العائد التنموي، وبناء شراكات عالمية أكثر عمقًا.

إن دعم الجمعيات الخيرية الكويتية لم يعد دعمًا لمؤسسات أهلية فقط، بل هو استثمار في سمعة الكويت، وفي قوتها الناعمة، وفي حضورها الدولي، وفي رسالتها الإنسانية.

وفي زمنٍ تتنافس فيه الدول على النفوذ، اختارت الكويت أن تنافس على الإنسان.

فكل يدٍ امتدت بالعطاء كانت صفحةً جديدة تُكتب في قصة وطنٍ آمن أن أعظم ما يمكن أن يصدّره إلى العالم ليس ما يملكه؛ بل ما يمنحه.

ولعل هذا هو سرّ الكويت الحقيقي... كلما أعطت، كبُرت.

back to top