الثروة البشرية... لماذا نُقصيها؟
«لا شيء يُعادل قيمة الإنسان نفسه»، فحين تقع الأزمات الحقيقية نجد أن بعض الدول لا تتجه إلى خزينة الأموال بقدر ما تبحث عن عناصر بشرية تُنقذ الموقف، لذلك تبدأ الأمم الواعية من سؤال مختلف: مَنْ نملك من الكفاءات والعناصر البشرية؟ وكيف نستطيع استثمارهم؟ فالثروة المالية قد توفر لنا المُعدات، لكنها لا تستطيع استخدامها، وقد تستوعب المباني المؤسسات، لكنها لا تمنحها القدرة على التفكير واتخاذ القرارات، لذلك يكشف موقف الدول من ثروتها البشرية حقيقة تفكيرها في الأزمات، فالدولة التي تثق بعقول أبنائها تستدعي العناصر البشرية والأيدي العاملة والخبراء، وتفتح المجال للمبادرات، وتجمع أصحاب التجارب. أما الدولة التي تخاف من الكفاءة وتحاصرها بالبيروقراطية، فإنها تدخل الأزمة من دون عقلٍ مؤسسي يعرف إلى أين يتجه.
الثروة البشرية ليست فئة واحدة، فهناك الخبير، وهناك الموظف والعامل في الميدان، والمتقاعد الذي يحمل ذاكرة المؤسسة، كما تضم أصحاب المهن الدقيقة والمتطوعين ورواد الأعمال والكفاءات الوطنية خارج الجهاز الحكومي. فهذه العقول لا ترى الأزمة بالطريقة نفسها، فالطبيب يقرأ آثارها الصحية، والاقتصادي يحسب كلفتها، والإداري ينظم الهياكل التنظيمية، والإعلامي يُدير الرسالة والقِيم، والمتخصص النفسي يفهم تخوُّف الدولة والمجتمع، لذلك لا تُواجه الأزمة بنمطٍ واحد، بل بفريق متنوع تتكامل فيه المعرفة مع الخبرة الميدانية، ويُصبح الاختلاف هنا مصدراً لجودة القرار.
أما حين لا تستفيد الدولة من ثروتها البشرية، فإن الأزمات تتضاعف وتستشري، فحين يرى المواطن أن الكفاءات خارج غرفة القرار يفقد الثقة بالمنظومة كلها، فيما يتصدَّر المشهد مَنْ اختيروا للولاء فقط من دون الكفاءة، فتتخبَّط القرارات، وتتكرَّر الأخطاء، ثم تُشكَّل اللجان لتفسير ما كان وما يمكن منعه لاحقاً، ومع الوقت تُهاجر العقول بصمت، ويتردَّد الموظف من المبادرة التي قد تُكلفه أكثر مما تكافئه، فتتحوَّل الثروة البشرية من قوةٍ للدولة إلى طاقةٍ معطَّلة. والمفارقة أن الدول قد تُنفق الملايين على خطط إدارة الأزمات، ثم تستكثر الاستماع إلى إنسان يعرف الحل.
* باحث أكاديمي