الأغلبية الصامتة: تعدت مَلَح
الجيل الرقمي يعرف طريق محركات البحث، للنبش عن كل شيء، ما عدا الكلمات والأمثال والمصطلحات التي أصبحت من التراث، فهم يسألون عنها مباشرةً، وآخرها «تعدت ملح»، التي أكتبها في «حالة» الواتس آب بين الحين والآخر.
المشكلة الآن ليست في عدم معرفة معنى «تعدت ملح»، التي سيأتي شرحها لاحقاً. لكن بالنظر لهذا الأمر من زاويةٍ مختلفة وجدت أن الجهل بوجود «تعدت ملح» أصلاً، أعطاني مؤشراً خطيراً يقول إن جيل Z لا يعرف مسلسل «درب الزلق» الذي قِيل فيه ذلك المثل، وهو ما يعني أن سلسلة متابعي ذلك المسلسل، الذي عُرض لأول مرة في 16 سبتمبر 1977م، والتي بقيت متواصلة حتى وقت قريب، بلغت مرحلة النهاية.
تلك النهاية تعني الكثير بالنسبة لي، لأنني عشت تجربة «درب الزلق»، ليس كمسلسل فكاهي عظيم، لكن كرابط بين الأجيال المتلاحقة التي وُلدت بعد عرضه، وحاضنة تراثية لعشرات المفردات الكويتية والخليجية التي بقيت حاضرة على ألسنة تلك الأجيال، وهو ما أبقى على الحد الأدنى للتفاهم فيما بينهم، في مجتمعٍ سريع التحوُّل والتأثر، لكثرة احتكاكه مع لغات ولهجات متعددة تعيش معه.
وحتى وقت قريب كُنت مطمئناً بوجود رابطة الأجيال القوية، وهي «درب الزلق»، حتى بعد انتشار تطبيقات الأفلام والمسلسلات ووسائل التواصل الاجتماعي، لأن مقاطع ذلك المسلسل الاستثنائي صنعت لنفسها أسباباً كثيرة للاستدعاء في كل موقفٍ يقع في الحاضر ووجد مثيله في ذلك المسلسل. واليوم يبدو أن تلك الرابطة تواجه خطر الانقطاع.
نأتي الآن لمعنى «تعدّت ملح»، التي تعني تجاوز الحد المعقول في أمرٍ ما، أو زيادة الشيء عن حده بشكلٍ أفسد جودته، وقد خرج ذلك المعنى بالأساس من المطبخ، فإذا ما تعدَّى الملح الكمية المطلوبة منه في القدر فسدت الطبخة بأكملها، لأنها أصبحت مالحة جداً. ومع مرور الوقت تطوَّر استخدام «تعدت ملح» للإشارة إلى كل شيء خرج عن إطاره المقبول في النقاش أو الأفعال أو حتى ردود الأفعال.
ومنذ سنوات طويلة، وبينما كُنا نرصد الشأن العام، نعلِّق بـ «تعدت ملح»، والجيل الجديد «يلقطها» دون شرح. أما جيل اليوم، فيريد توريطنا بكثرة الأسئلة والمذكرات التفسيرية.