بقايا خيال: الحرب الأميركية – الإيرانية... ومسرح العبث
مسرح العبث أو مسرح اللامعقول ظهر في مطلع القرن الماضي، ومن أشهر أدبائه الأديبان ألبير كامو وسامويل بكيت، صاحب المسرحية الشهيرة «في انتظار جودو» أو (Waiting For Godot)، والتي كتبها سنة 1953، ونال عليها جائزة نوبل في الآداب سنة 1969. تبدأ المسرحية بشخصيتين معدمتين مهمشتين ومنعزلتين تقفان على قارعة الطريق، وتتحدثان بأحاديث تافهة غير معروفة بداياتها ولا نهاياتها ولا أهدافها أو أسبابها، وتكرران الحديث حول شخصية ثالثة، اسمها «جودو»، لا تظهر في المسرحية، ويتساءلان: من هو جودو؟ وهل سيصل؟ ومتى سيصل؟ وإذا وصل ماذا سيفعل لهما وماذا سيقدم لهما؟ ولكن جودو لا يصل أبداً.
هذه المسرحية عبرت بصدق وبطريقة مملة عن وضع الناس خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والفراغ النفسي والعقلي الذى كان يعانى منه العالم في تلك الحقبة، ولكن يبدو أن هذا الغثيان والفراغ النفسي والعقلي مستمر إلى يومنا هذا، ولكن في صورة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على جمهورية إيران الإسلامية قبل 6 شهور.
نحن الخليجيين لا نعرف الأهداف «الحقيقية» لهذه الحرب، هل كانت من أجل القضاء على المشروع النووي الإيراني؟ وهل تم القضاء عليه بالفعل؟ هل كان من أجل القضاء على القدرة العسكرية الإيرانية؟ وهل تحقق هذا الهدف بالكامل؟ ولماذا تلتزم الولايات المتحدة الصمت تجاه الاعتداءات الإيرانية المتواصلة على المصالح المدنية لدول الخليج العربية؟ هل كان مضيق هرمز على أجندة زعماء الحرب؟ هل فكروا في عواقب هذه الحرب؟ هل فكروا في مصالح دول العالم؟ هل أخذوا أمن واستقرار دول الخليج العربية بعين الاعتبار؟
بعد سنة 1919 لم يشعر الأوروبيون بنتائج إيجابية للحرب العالمية الأولى التي أودت بحياة ملايين من البشر، ودمرت البنية التحتية لكثير من الدول الأوروبية، وساد حينها اليأس والإحباط بينهم بسبب العبث بمصائر الناس، فكل ما جنوه من هذه الحروب العبثية خراب ودمار وتشتت وعدم الثقة في الأوروبي الآخر، وخلقت نفسيات متعبة ومحبطة ويائسة من مستقبل غير آمن!
هذه الحالة ذاتها يعيشها الخليجيون اليوم أكثر من غيرهم من شعوب دول العالم، وكما تعمد الأديب الراحل صامويل بيكيت بتقديم نموذج جديد من المسرحيات التي تمردت على أنماط المسارح المعروفة، وهي المقدمة والحبكة والنهاية، وعكس حالة تردي الأوضاع بالمجتمع الأوروبي، بأن قدم في مسرحيته عدم وضوح للفكرة العامة وغياب حبكة تقليدية وكانت نهايتها غامضة دون حل، ليثبت للجمهور أن فصول المسرحية، وحتى على مسرح الحياة الحقيقية، كلها عبثية بلا هدف وكأنها تبدأ وتنتهي بلا فائدة، وهو العبث الذي نراه أمام أعيننا بمصير دول المنطقة على شكل حرب.
لم يصل جودو، ولم يعرف الجمهور أي صفة لشخصيات المسرحية، لتترك هذه المسرحية وراءها الكثير من الجدل والنقاشات ليس حول ما يجب أن يكون عليه أوضاع الأوروبيين بعد حربين طاحنتين، ولكن حول ما دار من نقاش عقيم بين اثنين تافهين لم يستفد الجمهور من أي شيء دار بينهما، بل ولم يعرف الجمهور مكانتهما الاجتماعية ولا السياسية ولا الاقتصادية ولا أسباب وجودهما في ذلك المكان، وهو ما نراه اليوم في الخليج العربي.