الأغلبية الصامتة: المقاول

نشر في 07-09-2026
آخر تحديث 06-09-2026 | 18:31
 إبراهيم المليفي

من أين ستبدأ الملاحظة؟ لا أحد يعلم، لكنها قادمة لا محالة. البعض يتعلَّم ويتحوَّط، والبعض الآخر يواصل الوقوع في حُفرة الدهشة. الفكرة هنا هي حالة الذم في عمل الآخرين، والتي تُهيمن على أصحاب «الكار» الواحد، خصوصاً في حالة تسلُّم أحدهم عملاً لم يُستكمل. 

مَنْ يملك الثقة في نفسه، ويؤمن بحقيقة أن الأرزاق موزعة سلفاً، لا ينشغل بتصغير أعمال غيره لكي يُبرز أعماله، فهو يترك جودة أعماله تتحدَّث عنه، وحتى لو اضطر لشرح مميزاتها، فهو يحرص على تجنُّب الانتقاص من غيره، لأنه كبير في أخلاقه قبل أن يكون كبيراً فيما يُنجزه من أعمال. 

ربما بعض الشرح يُثري هذا الموضوع، فهناك أعمال تدور في مناطق مغلقة لا ندخلها سوى للضرورة، مثل أعمال الصيانة المنزلية التي تحتاج إلى مقاول يقوم بجُملة أعمال، وكل حواراتها بينه وبين صاحب المنزل. ونلاحظ أن المقاول الجديد يجتهد في سرد عيوب مَنْ سبقه دون سابق معرفة أو «معركة»، وهو بالأساس لا يحتاج لذلك، لأنه وصل إلى مبتغاه اليومي وحصل على عملٍ جديد!

بعض أصحاب المحال، وكل واحد فيهم يستقبل رزقه، لا يكفون عن ترديد أن ما لديهم هو الأفضل، والزبون القديم يسمع الذم المفصل بالمحلات المجاورة. وحتى صاحب البقالة المنعزلة يعيب في بضائع الجمعية، وكأنه سيحصل على أكثر من رزقه المقسوم. 

أما الأعمال التي تدور معاركها تحت الأضواء وأمام الكثير من المتابعين بوسائل التواصل الاجتماعي، فهي للإعلاميين والمثقفين والأدباء، فنجد أنها على صعيد الإعلاميين، مثلاً، تتحرَّك على محورين؛ محور أصحاب البرامج على القنوات المتنافسة، ومحور التنافس بين ضيوف تلك البرامج، وفيه تتجلَّى هزلية ذلك المشهد، الذي يخفي وراءه تراكمات من عقد التفوق والغيرة. 

قد أتفهَّم صراع أصحاب البرامج، على اختلافها، فهم يعيشون ضغوطاً يومية من الإدارة العليا، التي تحسب عليهم نِسب المشاهدة، وأوزان الضيوف، وحجم الأصداء بوسائل التواصل، لكن ما لا أطيقه هو محاولات بعض الضيوف من المحللين والمعلقين احتكار ظهورهم وتسويد صحائف زملائهم، وهم يعلمون أن الأحداث لا تنتهي والبرامج كثيرة وساعات البث لا تنتهي. 

وفي الختام، في عالم «المقاول» وتوابعه، لا أحد يُريد الاقتناع بأنه لا يوجد أوسع من فضاء السماء، والرزق مقسوم، ولن يجني أحد غير ما كُتب له، ولو عملوا كما عمل الحسن البصري لاطمأنت قلوبهم، فهو يقول: «علمتُ أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي».

back to top