دراسة: زيادة التمويل لا تعني سكناً أرخص

• الدراسة تربط تجربة 2018 بـ «التمويل العقاري» المرتقب في الكويت... وتنبه إلى النتائج العكسية لتوسيع الائتمان
• رفع سقف الاقتراض في 2018 دفع أسعار السكن الخاص للارتفاع بنحو 10% دون زيادة ملموسة في التداولات

نشر في 05-09-2026
آخر تحديث 05-09-2026 | 18:31

مع توقعات بتوجه لإقرار مشروع قانون التمويل العقاري في الكويت، تكشف دراسة أكاديمية أعدها باحثون من جامعة الكويت عن درس مهم من تجربة سابقة لتوسيع الائتمان؛ بعدما وجدت أن زيادة سقف الاقتراض للأفراد في عام 2018 أسهمت في رفع أسعار السكن الخاص بنحو 10%، من دون أن تنعكس على زيادة ملموسة في حجم التداولات.

وتبرز أهمية نتائج الدراسة في ضوء ما يتضمّنه مشروع التمويل العقاري المرتقب من زيادة كبيرة في القدرة التمويلية المتاحة للمواطنين، إذ تشير الدراسة إلى مقترح كان متداولاً وقت كتابتها يتيح تمويلاً يصل إلى 200 ألف دينار لشراء أو بناء أول سكن، منها 70 ألفاً من الدولة دون فوائد و130 ألفاً من البنوك مقابل رهن العقار، إلى جانب تمديد فترة السداد إلى 25 عاماً ورفع نسبة الاستقطاع الشهري من 40 إلى 50%. 

وتظهر تجربة 2018 أن زيادة القدرة التمويلية، إذا لم تتزامن مع توسّع موازٍ في المعروض السكني، قد ينتقل جزء كبير منها إلى الأسعار بدلاً من تحسين قدرة المواطنين على التملك. 

فقد قدّرت الدراسة أن الزيادة في قيمة منزل نموذجي بمساحة 400 متر مربع بعد تعديل قواعد الإقراض بلغت نحو 24.9 ألف دينار، أي بما يعادل الزيادة البالغة 25 ألفا، التي أضيفت آنذاك إلى إجمالي القدرة الاقتراضية للفرد.

وأعد الدراسة العلمية كل من د. خالد الصباح، ود. شملان البحر، ود. سليمان البدر من جامعة الكويت، ونُشرت في «International Review of Economics and Finance»، تحت عنوان «عندما يأتي التوسّع الائتماني بنتائج عكسية: الأثر غير المتكافئ لرفع سقف الاقتراض على سوق الإسكان في الكويت». 

وخلصت الدراسة إلى أن توسيع نطاق الائتمان في سوق يعاني محدودية المعروض قد يأتي بنتائج عكسية، تتمثّل في ارتفاع الأسعار بدلاً من تحسين فرص التملك، مع تركّز الأثر على العقارات الأصغر، وهي الفئة الأقرب إلى متناول ذوي الدخول المتوسطة والمنخفضة.

العقارات الأصغر كانت الأكثر تأثراً... وأصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة تحملوا ارتفاع الأسعار رغم محدودية استفادتهم من زيادة الائتمان

 تجربة 2018... ماذا حدث عندما زاد التمويل؟

تعود الدراسة إلى تعديل قواعد الإقراض الذي دخل حيّز التنفيذ في 14 نوفمبر 2018، عندما ارتفع الحد الأقصى لإجمالي ما يمكن للفرد اقتراضه من 70 ألفاً إلى 95 ألف دينار، أي بزيادة نسبتها نحو 36%. 

وجاء ذلك بعدما رفع بنك الكويت المركزي الحد الأقصى للقرض الاستهلاكي إلى 25 ألف دينار أو 25 ضعف صافي الراتب الشهري أيهما أقل، مقارنة بـ 15 ألفاً أو 15 ضعفاً قبل التعديل، فيما ظل الحد الأقصى للقرض الإسكاني عند 70 ألف دينار. 

في المقابل، لم يتغيّر القيد الآخر في الاقتراض والمتمثل بنسبة القسط الشهري إلى صافي الراتب، إذ بقي حده الأقصى عند 40% للموظفين و30% للمتقاعدين، وهو ما جعل زيادة سقف الاقتراض لا تعني بالضرورة حصول جميع المقترضين على قدرة تمويلية إضافية.

مَن استفاد فعلياً؟

وهنا، تكشف الدراسة عن أحد أهم أوجه التفاوت في أثر القرار، إذ استفاد أصحاب الدخول الأعلى بصورة أكبر من رفع سقف الاقتراض، لأن السقف المطلق للقروض كان يمثّل القيد الأساسي أمام حصولهم على تمويل إضافي، بينما ظلّت الفئة الأكبر من المقترضين - وجلّهم من أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة - مقيدين بالحد الأقصى لنسبة القسط إلى صافي الدخل الشهري (40% من الراتب للموظفين)، مما حال دون تمكّنهم من الاستفادة في معظم الحالات من الحد الائتماني الجديد.

وتُقدّر الدراسة - في سيناريوهات افتراضية تستند إلى نسب الفائدة والمدة المحددة وحجم الاقتراض الاستهلاكي السابق - أن أقل راتب شهري لبدء الاستفادة من زيادة إجمالي الاقتراض يتراوح بين 1.886 و2.369 ديناراً، بحسب حجم القرض الاستهلاكي الذي يحتفظ به المقترض (ثابتاً عند 15 ألف دينار أو مرفوعاً إلى 25 ألفاً). أما للحصول على كامل القرض الإسكاني البالغ 70 ألفا، فيتطلّب ذلك راتباً يتراوح بين 2.202 و2.686 ديناراً، وفقاً للسيناريو نفسه.

وبالرجوع إلى بيانات مسح القوى العاملة التي تستند إليها الدراسة والصادر قبل عام من القرار، تُقدّر نسبة الموظفين الكويتيين الذين يتقاضون 1800 دينار أو أكثر شهرياً نحو 16.3%، ونحو 11.5% تجاوزت رواتبهم 2000 دينار. وتُشير هذه الأرقام إلى أن الشريحة القادرة نظرياً على تجاوز قيود الاقتراض والاستفادة من رفع السقف الائتماني كانت محدودة نسبياً.

غير أن المفارقة الأكبر هي أن ارتفاع الأسعار الناتج عن زيادة الاقتراض طال الجميع، سواء استفادوا من الاقتراض أم لا. فالشريحة العظمى التي لم تستفد من زيادة الائتمان تضررت بارتفاع الأسعار دون أن تحصل على أي زيادة في قدرتها الشرائية. أما الشريحة الصغيرة التي استفادت من الائتمان، فقد تضررت أيضاً بارتفاع الأسعار، مما يجعل السؤال حول ما إذا كانت استفادتها من الاقتراض تفوق ضرر ارتفاع الأسعار أمراً غير محسوم ويعتمد على كل حالة على حدة.

الزيادة الإضافية للاقتراض قابلتها زيادة مماثلة في تكلفة المنزل

وأظهرت نتائج الدراسة أن أسعار العقارات السكنية ارتفعت بنحو 9.97% نتيجة لزيادة سقف الاقتراض. وبلغ متوسط السعر للمتر المربع في العقار السكني قبل تعديل السياسة نحو 625 ديناراً، مما يعني أن الزيادة المقدرة تعادل نحو 62.3 دينارا للمتر المربع. 

وباحتساب هذا الأثر على منزل نموذجي بمساحة 400 متر مربع، تصل الزيادة في قيمته إلى نحو 24.9 ألف دينار، أي ما يكاد يعادل كامل الزيادة البالغة 25 ألفا في الحد الأقصى لإجمالي الاقتراض للفرد. 

25 ألف دينار قدرة اقتراضية إضافية قابلتها زيادة مماثلة تقريباً في قيمة منزل نموذجي بمساحة 400 متر

وتجسّد هذه الأرقام المفارقة الأساسية التي تطرحها الدراسة، فالقدرة التمويلية الإضافية التي كان من شأنها تعزيز قدرة المشتري على تمويل السكن، قابلتها زيادة مماثلة تقريبا في قيمة منزل بمساحة 400 متر، بما يشير إلى انتقال جانب مهم من القوة الشرائية الجديدة إلى الأسعار في ظل محدودية استجابة المعروض للطلب الإضافي.

الدراسة تُوصي بأن تسير زيادة القدرة على الاقتراض بالتوازي مع زيادة فعلية في المعروض

العقارات الأصغر الأكثر تأثراً

ولم يتوزع الأثر السلبي بالتساوي على مختلف شرائح السوق، إذ وجدت الدراسة أن العقارات السكنية الأصغر مساحة (400 متر مربع أو أقل) كانت الأكثر تأثراً، فقد أظهرت النتائج أن أسعار هذه العقارات ارتفعت بنحو 5% إضافية مقارنة بالعقارات الأكبر من 400 متر مربع عقب تعديل قواعد الإقراض، وهو فارق يعادل نحو 30 ديناراً إضافياً للمتر المربع، أو نحو 12 ألف دينار لعقار مساحته 400 متر مربع.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في قياس أثر القرار على القدرة على تحمل تكاليف السكن، إذ تشير الدراسة إلى أن العقارات السكنية الأصغر مساحة - مع كونها الأقرب إلى متناول الفئات المتوسطة والمنخفضة الدخل - طالها أثر سلبي أكبر من حيث زيادة الأسعار مقارنة بالعقارات الأخرى، مما زاد من الضغوط التي تواجهها تلك الفئات في سوق السكن.

تمويل أكثر... ولكن ليس تداولات أكثر

ولم يقابل ارتفاع الأسعار تحسّن مماثل في سيولة سوق السكن الخاص، إذ لم تجد الدراسة أثراً ذا دلالة إحصائية لزيادة سقف الاقتراض على حجم التداولات السكنية مقارنة بالعقار الاستثماري.

أي أن زيادة التمويل المتاح لم تتحول ببساطة إلى زيادة في عمليات شراء السكن، وإنما تزامنت بصورة أساسية مع ارتفاع الأسعار.

وكانت النتيجة أكثر لفتاً للانتباه في العقارات التي تبلغ مساحتها 400 متر مربع أو أقل، إذ أظهر التحليل مؤشرات لتراجع نسبي في سيولتها بعد زيادة سقف الاقتراض، وهو ما ربطته الدراسة بالارتفاع الأكبر في أسعار هذه الفئة.

وبذلك، لم تكن حصيلة تجربة 2018 ببساطة «تمويل أكثر = مشترين أكثر»، وإنما أظهرت النتائج تمويلاً أكثر وأسعاراً أعلى، من دون تحسّن واضح في سيولة السوق.

كيف توصلت الدراسة إلى هذه النتائج؟

اعتمد الباحثون على بيانات تفصيلية للصفقات العقارية المنشورة من وزارة العدل، تغطي عاماً كاملاً قبل تعديل قواعد الإقراض وعاماً بعده، من نوفمبر 2017 حتى نوفمبر 2019.

وشملت العينة النهائية 8232 صفقة في قطاع السكن الخاص، إضافة إلى 1236 صفقة في العقار الاستثماري، بإجمالي 9468 صفقة.

واستخدم الباحثون منهجية «الفروق في الفروق (Difference-in-Differences) «لقياس الأثر المرتبط بتغيير سياسة الائتمان، من خلال مقارنة تطور أسعار السكن الخاص بالعقار الاستثماري، إلى جانب تحليل منفصل يقارن العقارات السكنية حتى 400 متر مربع بالعقارات الأكبر مساحة في السكن الخاص».

التمويل العقاري لا يكفي... السياسات المتكاملة هي الحل

وفي ضوء مشروع التمويل العقاري المرتقب، فإن الدروس المستفادة من تجربة 2018 كما تشير الدراسة تظل قائمة: زيادة القدرة التمويلية، إن لم تُرافق بسياسات فعالة لتوسيع المعروض السكني وتحسين مرونته - تشمل طرح الأراضي، وإصلاح أنظمة البناء والتقسيم، وتطوير التخطيط الحضري، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص - قد تنتقل إلى الأسعار بدلاً من تحسين التملك، وهو ما حذّرت منه الدراسة صراحةً. 

لذلك تُوصي الدراسة بأن تسير زيادة القدرة على الاقتراض بالتوازي مع زيادة فعلية في المعروض، ضمن سياسة متكاملة تجمع بين التمويل وتوسيع المعروض وتنظيم السوق، وتُشدّد على أن هذه التدخلات ليست توصيات ثانوية، بل هي شرط أساسي لضمان أن التوسع الائتماني يُترجم إلى تحسينات حقيقية في فرص التملك، وإلا فإن أي توسع ائتماني يخاطر بتكرار نتائج 2018.

back to top