الكلمة التي لا تترك كدمة
«أبي... أنا لا أريد الذهاب إلى المدرسة». قالتها طفلة أحد أصدقائي في المرحلة المتوسطة لوالدها، ثم أضافت: «لن أذهب». لم يكن هناك مرض، ولا اختبار تخشاه، وحين حاول والداها معرفة السبب، التزمت الصمت... حتى خرجت الكلمات التي تخبئها في داخلها: زميلاتها يتنمرن عليها لأنها شديدة الخجل، ولأنها لا تجيب المعلمة حين تسألها أمام الطالبات.
قد تبدو الحكاية بسيطة، لكنها بالنسبة لطفلة قد تكون عالماً من الخوف، فالمكان الذي يُفترَض أن تذهب إليه كل صباح لتتعلم وتكوّن صداقاتها، أصبح مكاناً تحاول الهروب منه.
حين نسمع عبارة «العنف ضد الأطفال»، تذهب أذهاننا غالباً إلى الضرب، أو الإيذاء، أو ما يترك أثراً واضحاً على جسد الطفل. لكن ماذا عن الأذى الذي لا يظهر في صورة، ولا تراه العين؟ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يصل إلى مليار طفل بين عامين و17 عاماً تعرضوا خلال عام لأحد أشكال العنف الجسدي أو الجنسي أو العاطفي أو الإهمال، وتكشف المنظمة عن جانب أكثر قسوة، فأقل من نصف الأطفال المتضررين يخبرون أحداً بما تعرضوا له، ويحصل أقل من 10 في المئة منهم على أي مساعدة.
أما اليونيسف، فتشير في تقديراتها في يونيو 2024، إلى أن نحو 400 مليون طفل دون الخامسة، أي ستة من كل عشرة أطفال، يتعرضون بانتظام للعنف النفسي أو العقاب الجسدي في المنزل، لكن الأرقام، مهما كانت صادمة، لا تحكي كل شيء. ماذا عن طفل لا يُضرب، لكنه يسمع باستمرار: «أنت لا تفهم»، أو «أخوك أفضل منك»؟ ماذا عن طفلة تسخر زميلاتها من خجلها، حتى يصبح رفع يدها في الفصل شجاعة، ويصبح الذهاب إلى المدرسة معركة يومية؟.
التنمر ليس مزحة حين يجعل الطفل يخاف من المدرسة، والكلمة التي تُقال قد تكون سبباً في انكسار ثقته بنفسه، وليست كل كلمة غاضبة جريمة، ولا كل لحظة انفعال إساءة متعمدة... فالآباء يخطئون ويتعبون ويفقدون صبرهم، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الصراخ إلى لغة يومية، والمقارنة إلى أسلوب تربية، والسخرية إلى وسيلة للسيطرة. فالطفل قد ينسى سبب العقوبة، لكنه قد يتذكر طويلاً الطريقة التي جعلته يرى بها نفسه.
نحن نطالب أبناءنا بالثقة، ثم نهدمها بكلمة، ونريدهم شجعاناً في مواجهة العالم، بينما نجعلهم يخافون من الخطأ أمامنا. الحل ليس في تربية بلا حدود، بل في حدود تحفظ الكرامة، يمكن أن نصحح السلوك دون أن نهين صاحبه، وأن نرفض الخطأ دون أن نرفض الطفل، وأن نعلّم دون أن نكسر.
وفي كل بيت ومدرسة، قد تكون لحظة إنصات صادقة أكثر أثراً من عشرات النصائح، فالطفل لا يحتاج دائماً إلى مَن يحل مشكلته، بقدر حاجته إلى مَن يقول: «أنا أسمعك... وأنا معك». حماية الأطفال تبدأ من إدراك أن العنف ليس دائماً يداً، أحياناً يكون كلمة، أو سخرية، أو مقارنة، أو خوفاً يتكرر حتى يصبح جزءاً من صورتهم عن أنفسهم. قد لا تترك الكلمة كدمة على الجلد، لكنها قد تترك أثراً في الذاكرة. ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا ليس فقط: ماذا علّمنا أطفالنا؟ بل: كيف جعلناهم يشعرون بأنفسهم وهم يتعلمون حقاً؟
* كاتب سعودي