عبدالناصر... بين المحبة والخصومة

نشر في 04-09-2026
آخر تحديث 03-09-2026 | 18:14
 محمد عبدالله السبيعي

بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، لا يزال جمال عبدالناصر حاضراً في الوجدان العربي، كأنه غادر الحُكم بالأمس. هناك مَنْ يراه آخر زعيم أعاد للعرب كرامتهم، وهناك مَنْ يُحمِّله مسؤولية الهزيمة والاستبداد وكل ما جاء بعدهما. وبين المحبة المفرطة والخصومة المتأخرة تضيع التجربة نفسها! 

ليس من الإنصاف اختصار عبدالناصر في هزيمة يونيو 1967. فقد مثَّل لحظة تحرر وطني في زمن كانت مصر والمنطقة تخرجان من قبضة الاستعمار. حقق في السويس مكسباً سياسياً كبيراً، وبنى السد العالي، وأطلق الإصلاح الزراعي، ووسَّع التعليم، وفتح أبواب الدولة أمام أبناء الفقراء والطبقة الوسطى. لم تكن تلك الإنجازات مجرَّد خطابات، فقد شعر المصري والعربي يومها أن بلاده تستطيع أخيراً أن تقول: لا. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوَّل الكرامة إلى بديلٍ عن الحُرية، ويتحوَّل الاستقلال عن الخارج إلى احتكار للقرار في الداخل. 

أُغلقت الحياة السياسية، وغابت الصحافة المستقلة، واتسعت سُلطة الأجهزة، وأصبحت المعارضة موضع شبهة. استعاد عبدالناصر إرادة الدولة من الأجنبي، لكنه لم يمنح المواطن حق المشاركة في توجيهها ومحاسبتها. لهذا لم تكن هزيمة 1967 مجرَّد معركةٍ خسرها الجيش، بل كانت لحظة انكشاف لنظام لم يعد قادراً على رؤية نفسه. سبقها فشل الوحدة مع سورية، واستنزاف اليمن، وفجوة متزايدة بين الخطاب والقدرة. وحين مُنع الاعتراض، تحوَّل الخطأ إلى قرارٍ رسمي، والمبالغة إلى معلومة، حتى استيقظ الجميع على الكارثة. 

نعم، يجب فهم عبدالناصر داخل زمنه: استعمار يتراجع، وصراع عربي- إسرائيلي، وحرب باردة قسمت العالم. لكن ظروف التاريخ تفسِّر الاختيارات، ولا تعفي من نتائجها. فالعدوان الإسرائيلي لا يلغي مسؤولية القيادة، والاستعمار لا يبرر السجون، وشعبية الزعيم لا تغني عن المؤسسات. 

يُخطئ محبُّوه عندما يجعلون انحيازه للفقراء صك براءة من الأخطاء، ويُخطئ خصومه عندما يجعلونه أصل كل فشلٍ عربي. لم يكن قديساً كما يتخيله أنصاره، ولا أصل كل خطيئة كما يريده خصومه. كان قائداً كبير الطموح، حقق إنجازات حقيقية، وارتكب أخطاءً دفعت مصر والعرب أثمانها. ربما كانت حصيلة تجربته أنه استعاد نصف السيادة: سيادة الدولة في مواجهة الخارج، لكنه لم يؤسس سيادة المواطن داخلها. والمشكلة أن الأوطان لا تستطيع العيش بنصف سيادة، ولا بمشروع يكون أكبر من مؤسساته، فالزعيم مهما طال حضوره في الذاكرة يرحل، أما الدولة فتبقى وحدها لتدفع الحساب.

back to top