الأتراك ينافسون الفرس والعرب

نشر في 04-09-2026
آخر تحديث 03-09-2026 | 18:14
 خليل علي حيدر

كانت المشكلة السياسية الأساسية في أواخر العصر العباسي ضعف الخلفاء، وهو ما لم تكن الاستعانة بالأتراك علاجاً حاسماً له، وقد مكّن «المعتصم» العباسي للأتراك في دولته، وكانوا في أول أمرهم قوة للدولة، كما ذكرنا عن المؤرخ أحمد أمين، حيث يعزو انتصار المعتصم في غزوة «عمورية» عام 223 هــ إلى الأتراك من جند المعتصم بقيادة «أشناس»، ويضيف: «من ذلك التاريخ دخل في نزاع العصبية عنصر قوي جديد، فقد كان النزاع قبلُ بين الفرس والعرب فأصبح بين العرب والفرس والترك، وكان العرب قد ضعف أمرهم في نزاعهم مع الفرس، فجاءت قوة الترك ضغثاً على إبّالة (الإِبَّالة حزمة الحشيش والحطب والضِغث قبضة من هذه الحزمة، وهو مثل يضرب للرجل يحمل صاحبه المكروه ثم يزيده منه!) وتوجهت قوة الترك — أولا — لإضعاف شأن هؤلاء الفرس المستبدين بالسلطان. وأخذ التاريخ الإسلامي يصطبغ بالصبغة التركية، وبعد أن كانت الأحداث تتصل بأعلام الفرس، كأبي مسلم الخراساني والبرامكة والحسن بن سهل والفضل بن سهل، وعبدالله بن طاهر وأمثالهم، ظهر التاريخ مرتبطة أحداثه بأشناس، وإيتاخ، وبُغَا الكبير، وبُغَا الصغير، وابن طولون وأمثالهم من الأتراك، إذ كانوا القابضين على زمام الدولة والمتصرفين في شؤونها» (أمين، ج 1، ص 6).

وللقارئ أن يتصور أوضاع الدولة العباسية وفلتان الأمور تحت تأثير صراع هذه القوى من ساسة وجند وجنرالات ورجال ونساء!

 كان مما يستهوي الكُتّاب يومذاك، وعلى رأسهم بلا ريب «الجاحظ»، وصف الشعوب وسماتها ووجوه النقص والكمال في خواصها. وقد خلف لنا الجاحظ رسالة في موضوع العصبية أو التعاطف عند دخول الترك، وهي رسالة كتبها «للفتح بن خاقان» التركي في مناقب الترك! «والظاهر أنها لم تصل إلى الفتح لأن من كان في قصر المعتصم من الفرس والعرب عملوا على إخفائها كي لا تقع في يده فتعظم ميوله وعصبيته للترك. ويظهر أنه أعاد كتابتها من جديد، وكل قوم من الجند في ذلك العصر كان لهم أدباء وعلماء ومتحدثون أما الأتراك فلم يكن لهم شيء من ذلك، فتعاون الفتح بن خاقان والجاحظ على أن يسدّا هذا النقص، ويبيِّنا مناقب الترك، وقد استعمل الجاحظ عقله وقلمه وفلسفته في إعلاء شأن الترك تقرباً لذوي النفوذ، وإظهاراً لمزيَّته البلاغية بقطع النظر عن كونه يعتقد ما يقول أو لا يعتقد» (أمين، ص 14).

 ويذكر المؤرخ نموذجاً من خصائص الأجناس والتحليلات «الانثروبولوجية» التي يوردها الجاحظ حيث يقول: «إن كل أمة امتازت بشيء، فأهل الصين في الصناعات واليونان في الحكم والآداب، والفرس في المُلك والسياسة، والعرب لم يكونوا تجاراً ولا صُناعاً ولا أطباء ولا حُسَّاباً، ولا طلبوا المعاش من ألسنة المكاييل والموازين، ولم يحتملوا ذلاً قط فيميت قلوبهم، ويصغّر عندهم أنفسهم، وكانوا سكان فياف، وتربية عراء، فوجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتثقيف اللغة، وتصريف الكلام، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، والبصر بالخيل والسلاح، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب — ومزية الأتراك في الحروب، وهم كذلك أصحاب عمد وسكان فياف، وأرباب مواش، وهم أعراب العجم كما أن هذيلا أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات، ولا الطب والفلاحة والهندسة، ولا غراس ولا بنيان، ولا شق أنهار، ولا جباية غلات، ولم يكن همهم غير الغزو والغارة والصيد، وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال» (ص 1).

وأورد الجاحظ في كتبه حكاية عن أي الاثنين أشجع، الخوارج أم الأتراك، وكان الخوارج معروفين بين الناس إذ ذاك بأنهم أشجع الجند وأصبر الناس على القتال. وانتصر الجاحظ للجنس التركي فاعتبره أشجع من الخارجي. وقال إن التركي أثبتُ عزماً وأصدقُ رماية، «فالتركي يرمي الوحش والطير والناس في سرعة وإصابة، والخوارج إذا ولّوا فقد ولّوا، ولكن التركي إذا ولَّى فهو السم الناقع، لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب بسهمه وهو مقبل».

كانت معركة «عمورية» جنوبي تركيا الحالية أولى معارك المجندين الأتراك زمن العباسيين كما ذكرنا، وهي نفسها المعركة التي ارتبط اسمها باستنجاد امرأة مسلمة مهددة بالخطر بعبارة «وامعتصماه»، فهب المعتصم لنجدتها كما يقول البعض وينفي آخرون. ولكن لا جدال في أن «عمورية» كانت معركة دامية.

يقول معجم «المنجد في الإعلام»، بيروت 1982: «عمورية مدينة بيزنطية في آسيا الصغرى (تركيا) فتحها العرب أيام المعتصم بقيادة الأفشين 838م بعد حصار 13 يوماً، وأعملوا السيف في أكثرية أهلها، وساقوا منهم 30000 أسير، ولم يبق منها إلا أثر».

 ولابن الأثير المؤرخ الشهير إشارة لعمورية وأحد أحداثها الكبيرة، والتي تؤكد جوانب من الكوارث التي حلت بالمدينة في اليوم الثالث للحرب سنة 223 هـ، ويقول إن «طائفة كبيرة من الروم صارت إلى كنيسة كبيرة لهم، فأحرقها المسلمون عليهم، فهلكوا كلهم». وعن مصير الأسرى يقول: «وأقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه، فأمر المعتصم أن يُعزل منهم أهل الشرف (الأثرياء والبارزون)، ونُقل من سواهم، وأمر ببيع المغانم في عدة مواضع، فبيع منها في أكثر من خمسة أيام، وأمر بالباقي فأُحرق».

 ويضيف ابن الأثير في حديثه عن الأسرى: «وكان لا ينادى على شيء أكثر من ثلاثة أصوات، ثم يوجب بيعه، طلباً للسرعة، وكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة، وعشرة عشرة، طلباً للسرعة، وأمر المعتصم بعمورية فهُدمت وأحرقت» (الكامل في التاريخ لابن الأثير، حوادث 223 هـ، لبنان، صيدا 2009، ص 1336).

وسنرى في مقال قادم وجهة نظر أخرى في معركة «العمورية»، واستغاثة المسلمين بالمعتصم.

back to top