زرار الكهرباء

نشر في 04-09-2026
آخر تحديث 03-09-2026 | 18:09
 أحمد محمد العبدالعالي

ذهبنا ذات يوم مع ابن العم المهندس العزيز الدعيج ووالده الكريم إلى ديوان العم الفاضل صالح الفضالة، متَّعهم الله جميعاً بالصحة والعافية، وكان معنا كتاب أراد أن يهديه العم بويوسف أعدَّه الأخ المهندس برّاً بجده الشيخ عبدالرحمن علي الدعيج إمام وخطيب مسجد الفضالة، الذي أُسس عام 1900، حيث أمَّ رحمه الله الناس فيه قُرابة الخمسين عاماً، وطُلب منّي أن أقرأ شيئاً يسيراً من هذا الكتاب، ففتحته من غير تعيين، فوقعت عيناي على منشور صادر عن دائرة الأوقاف العامة محرر عام 1952م، وكان حاكم الكويت آنذاك الشيخ عبدالله السالم، رحمه الله، وفيه توجيهات للأئمة والخطباء، وهذا نصه، ليعلم جميع خطباء وأئمة المساجد أن المنابر والمحاريب لم تُؤسس لسبّ أحد، ولا للطعن فيه، ولا لانتقاد عمل من الأعمال، إنما وُجدت لمداواة الأمراض الخلقية والاجتماعية وإرشاد الناس إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم: «التزموا أيها الوعاظ وأيها الخطباء في خطبكم ووعظكم إرشاد الناس إلى مكارم الأخلاق والتمسُّك بالدِّين ووعظ الناس بصفة عامة، واتركوا انتقاد الناس بصفة خاصة، ولو بصفة التلميح. أيها الوعاظ أيها الخطباء تجنبوا السياسة في جميع شؤونكم، والمخالف لا يأمن العقبى». ولم أرغب أن أحرم القارئ من معرفة شيء مما قرأت في ذلك الديوان العامر، فمثل هذه الوثائق، على قصرها، تفتح نافذة على زمنٍ مضى، وتُخبرنا عن طريقة إدارة الشأن العام وعن أحوال المجتمع وهمومه في تلك المرحلة. ومن هنا تحوَّل الحديث إلى أخبار الكويت قديماً، وأحوال الناس في ذلك الزمان، وما طرأ على حياتهم من تغيُّرات ربما نعيش اليوم آثارها ولا نشعر بقيمتها. 

وكان من الأحاديث الجميلة التي أثارها العم الفاضل بويوسف حديثه عن نعمة زرار الكهرباء، وكيف كان الناس يعيشون قبل أن تدخل الكهرباء حياتهم، فقد كان اقتراب مغيب الشمس يعني الاستعداد لليل، فيستنفر أهل البيت لتجهيز السراي أو الزهيوي، كما يسميه البعض، وهو مصباح يملأ بالكاز وله فتيلة ترفع وتخفض، فيهيأ ويشعل قبل أن يحل الظلام. كانت الإنارة يومئذ عملاً يستعد له. أما اليوم، فلا يحتاج المرء إلا إلى أن يمد إصبعه إلى زر صغير، فإذا البيت الذي كان مظلماً قد امتلأ نوراً، ومع الأسف لا يعرف قدر هذه النعمة إلا مَنْ أنعم الله عليه بنور البصيرة، لذلك قد يستغرب بعض أبنائنا وأحفادنا حين نحدثهم عن أن أجدادهم كانوا يستعدون للظلام قبل غروب الشمس، وأن شيئاً نفعله اليوم في جزءٍ من الثانية كان شأناً يوماً ما، وما زرار الكهرباء إلا مثال صغير على نِعم كثيرة ألفناها حتى غابت عنَّا مشقتها القديمة، فالماء يصل إلى البيت، والطعام يحفظ أياماً في الثلاجة، والحر يذهب عنَّا بضغطة زر، والمسافات التي كانت تقطع في ساعات وأيام أصبحت تقطع في دقائق، والخبر الذي كان ينتظر أياماً، وربما أسابيع، يصل اليوم في اللحظة نفسها.

إن اعتياد النعمة قد يحجب الإحساس بها، إذ يقول الله تعالى في مُحكم كتابه العزيز: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.

خرجنا من ديوان العم صالح الفضالة وقد بدأ الحديث بوثيقة مضى عليها أكثر من سبعين عاماً، ثم تنقل بنا بين أخبار الكويت وأهلها، وانتهى عند زر صغير على جدار كل بيت.

back to top