الحفر الصغيرة التي تبتلع الوقت

نشر في 04-09-2026
آخر تحديث 03-09-2026 | 18:06
 المحامية ضحى الغانم

كثيراً ما نخلط في زحمة الحياة اليومية المتسارعة بين الركض المستمر والانشغال الحقيقي متخيلين أن كثرة الحركة والحرمان من الراحة هما دليلان قاطعان على النجاح، بينما الإنتاجية لا تتطلب أبداً زحمة دائمة أو صخباً مفرطاً بل تتطلب رؤية واضحة ومحددة تقاس بها كل خطوة، فالمتشاغلون يركضون طوال أعمارهم في دوائر مفرغة بلا بوصلة حقيقية ويضيعون ساعاتهم الثمينة بين تفاصيل هامشية ومشتتات لا تنتهي، بينما المنتجون الحقيقيون يملكون استراتيجية دقيقة تقودهم مباشرة وبثبات إلى قطف ثمرة جهودهم.

إن غياب الوجهة الواضحة يجعل الجهود الإنسانية طاقة مهدرة والعمر هباءً منثوراً بلا قيمة، وحين تسأل أحدهم مصادفة عن حاله يجيبك فوراً وباعتزاز شديد بأنه مشغول جداً طوال الوقت، لكن الحقيقة المرة أن هذا الانشغال الشكلي يخفي خلفه عجزاً واضحاً عن تنظيم الوقت وإدارته بالشكل المطلوب، ويعكس حالة من البطالة المقنعة وثقافة استهلاكية تكتفي بالاتكال على الآخرين في كل شاردة وواردة، دون أن تترك أثراً يذكر أو إنجازاً يفتخر به.

ولو نظرت في سير العظماء والناجحين عبر التاريخ لوجدت دليلاً قاطعاً على أن ضغط الوقت الحقيقي يصقل المهارات لا يعوقها أبداً، وأن الوضوح التام يختصر المسافات الطويلة ويصنع الفارق الحقيقي، وكي لا تنهي حياتك في نهاية المطاف تائهاً بلا هدف، ودون أي تقدم يذكر لابد أن تعرف تحديداً ماذا ستفعل غداً، وأن تحول كل دقيقة من وقتك وطاقتك الثمينة إلى نتيجة ملموسة وواضحة. وخلاصة القول إنه لا بأس أبداً أن تكون مشغولاً بهدف سام وواضح، لكن احذر كل الحذر أن تكون متشاغلاً تركض في اتجاه خاطئ يستهلك أيامك وعمرك بلا أي أثر حقيقي أو فائدة ترجى في نهاية المطاف.

back to top