شوشرة: حوار مع فنجان

نشر في 04-09-2026
آخر تحديث 03-09-2026 | 18:03
 د. مبارك عبدالهادي

الحديث قد يتبادر للمرء عندما يجد أمامه شخصاً ذا عقل رزين أو بسيط أو متواضع بعيداً عن الخبل والأهبل وذي الأذنين الطويلتين جداً، لأنه مهما حاولت إيصال المعلومة ومحاورته تجد نفسك في دوامة غير منتهية من غباء يتفاقم كلما امتد الحديث معه، والنتيجة عادة حرق أعصاب وكمية من التخلف وتوهان في سرد الأفكار وحديث مشتت.

وهذه الفئة تجدها مزروعة ومنتشرة في كل مكان، ويخرجون لك كسرب حمير متوجه إلى حيث لا يعلم، ولكن بينما تجلس وحيداً وأمامك فنجان قهوة تكتشف أن الحوار معه أفضل كثيراً من هؤلاء، بل مع كل رشفة تصل إلى معلومة تنير لك الطرق المظلمة وتفتح لك الآفاق نحو مزاج رايق وأعصاب هادئة بلا زيف أو نفاق ومجاملات أو تشنجات قد تنتهي بلكمة على أفواه من نتانتها تفوح منها مجارير الصرف الصحي، فالفنجان الذي هو خير رفيق للمزاج خاصة في الصباح تستنشق منه رائحة البن الزكية التي تفوز على روائح العنصريين والمتعنصرين وذوي الأفكار الهدامة.

إن عدم الانجراف خلف الأبواق الزائفة التي تعتاش عادة على جراح الآخرين وآلامهم ومعاناتهم وتحتفل بالأذى وتسعد ببث السموم هو الخلاص من الوحل والمستنقع الذي يعملون جاهدين على إسقاط ضحاياهم فيه، بل النجاح في جعلهم يموتون قهراً من طغيانهم وتكبرهم وجحودهم، فمن منا مستعد للقيام بذلك والنجاح في القفز على هؤلاء المتعجرفين الذين تظهر على وجوههم سمات الشر؟ بينهم ذلك الأشهب ذو الوجه الذي اختلطت فيه كل السمات السيئة والصفات التعيسة والحقارة والدناءة، والذي عمل ويعمل على رسم كل خرائط الأحزان والآلام واختلاس ما تبقى من سعادة.

إن التعلم جيداً من الأحداث الدائرة في الحياة هو النجاة من القادم لمواجهة المجهول وتجاوز كل العقبات ومقاومة كل التحديات وتجاوز الصعاب حتى لا يصطدم المرء بحاجز تم وضعه كفخ لاصطياد الفريسة التي أصبحت مرتعاً لمن هب ودب، فضلاً عن فئة الشو من أصحاب الأنوف التي تشتم الروائح الكريهة والنتنة فقط، فهؤلاء يحتاجون إلى معالجة جذرية تبدأ بتطهيرهم تماماً من القاذورات التي تملأ أجسادهم بعد أن أصبحوا يلهثون خلف الفتات لأنهم مرتزقة يبحثون عمن يفتح مجارير أفواههم.

إن الجلوس بصحبة فنجان قهوة بعيداً عن القيل والقال والانشغال بأمور الآخرين وإعادة ضبط النفس والتفكير جيداً بالأحداث المتجددة للوصول إلى قرارات سليمة أفضل ممن يجالسك لمصالح معينة أو لقضاء وقت فراغه، وكأنك جزء من منظومته اليومية التي يسد بها ثغرات جدوله التافه، الذي يبدأ بالشحن بطاقة سلبية وينتهي بها، لأنه اعتاد على ذلك، فالجلوس مع بعض البشر هو بمنزلة خسارة كبيرة وضياع للوقت، بدلاً من استغلاله جيداً في استثمار أمور أخرى مفيدة تعود بالمنفعة وتنمي مدركات العقل وتجدد الطاقة الإيجابية التي أصبحت تائهة في أيامنا التي تئن من تصدع الجدران المتهالكة.

آخر السطر:

ارتشف قهوتك بهدوء واستجمع أنفاسك لتعش بسلام.

back to top