رياح وأوتاد: عندما يكون الخلاف شرّاً

نشر في 03-09-2026
آخر تحديث 02-09-2026 | 18:18
 أحمد يعقوب باقر

يسوؤني جداً تصعيد الخلافات بين المتدينين؛ التي تنتشر في وسائل التواصل والندوات وتأخذ أسلوب الردود القاسية والتشويه والتصنيف وتصيّد الأخطاء وإثارة الكراهية، خاصة إذا كانت هذه الخلافات في المسائل التي تتحمل أكثر من رأي واجتهاد، فالخلافات بين البشر واردة حتى بين المتمسكين بالكتاب والسنّة.

فقد حملت كتب التراث الإسلامي أشكالاً من الخلافات الفقهية والفكرية، بعضها خطير، وبعضها الآخر خلاف مُعتبَر، وبعضها في المسائل الأخرى التي قد يقع فيها المسلم، والتي مكانها الصحيح هو النصيحة لا التقريع أو التصنيف.

وقد علّمنا الله تعالى كيفية العمل عند الخلاف، فقال سبحانه (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).

فالحوار بالرفق مع أصحاب الرأي الذين عُرفوا بالحرص على الدين والتواصي بالمعروف والخلق الحسَن ومقابلة الحُجة بالحجّة هو الطريق المؤدي إلى إزالة الخلاف، فلا يتحول إلى التنازع الذي يؤدي إلى الضرر على أهل الدين كلهم، كما قال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).

فالحوار يؤدي إما إلى التفاهم أو الإعذار، بينما التنازع وتشويه الآخر يؤديان إلى الشر ووقوع الفشل وفرح خصوم الإسلام.

ومن المعروف أن من ضوابط وأحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الرفق وتقدير المصالح والمفاسد، وألّا يُنهى عن منكر بمنكر أكبر منه، وفي فقه المآلات يجب أن ينظر الناقد في احتمال أن يؤدي أسلوبه إلى التنفير، بدلاً من التصحيح الذي ينشده.

وهناك أمر آخر يجب أن يضعه الناقد أمام عينيه، وهو الظروف والأحوال التي يعيشها المسلمون اليوم، حيث انتشار الجهل والفساد والهجوم الإعلامي المستمر على العقيدة والسنّة النبوية، وعلى التشريعات والقوانين والأخلاق الإسلامية.

لذلك فمن الضروري للناقد أن يخصص جهده الأساسي للرد على هذه الكبائر وعلى البِدَع الكبرى، وأن يسعى كذلك لتحقيق العدالة التي هي من أساسيات الدين ونصرة المظلومين ونشر الحجاب الشرعي والدفاع عن المال العام وإحياء السنن والشعائر، لأنها من أهم الأولويات في هذا الزمن.

وفي مجلس الأمة كنّا نفاجأ أحياناً بانتقاد وهجوم من بعض الإسلاميين على مواقف أو تشريعات إسلامية أنجزناها دون أن يتصلوا بنا لمعرفة حقيقة هذه الإنجازات والرأي الشرعي فيها، أو لبيان ما خفي منها عليهم أو علينا.

لقد كانت للشيخ ابن تيمية خلافات في مسائل شرعية مع بعض معاصريه، لكن ذلك لم يمنعه من الثناء على الآراء الطيبة لبعضهم، والتصريح بأن ما أخطأوا فيه إنما كان من قبيل اجتهادهم.

ومن أجمل أقواله أيضاً أن المسلم يجب أن يُحبَ بقدر ما فيه من خير، ولا يُبغضَ إلا بقدر ما فيه من شر، فأين هذا الكلام الجميل ممن جعلوا جُلّ همهم الهجوم على الرموز والدعاة وأهل الشريعة الذين عُرفوا بالعقيدة الصحيحة والدفاع عن الدين ونشر أحكامه وشريعته؟

وأيضاً على من يُقدّم له النصح أو النقد البنّاء من متخذي القرار أو الشخصيات العامة أن يتقبله بنفس طيبة ويناقشه على ضوء الكتاب والسنّة والمصلحة الشرعية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، وما

نُزع من شيء إلا شانه".

back to top