ما وراء الإنجاز

نشر في 02-09-2026
آخر تحديث 01-09-2026 | 19:43
 هديل المهنا

ليست القيمة في أن يفعل الإنسان الخير مرة، بل أن يصبح محبّاً له. فالتربية الأخلاقية الحقيقية لا تكتفي بتعديل السلوك، بل تحوّل القيمة من فكرة نعرفها إلى صفة نعيش بها.

وهنا يكمن أحد أجمل أبعاد العمل التطوعي، فهو لا يعلّمنا كيف نقدّم للآخرين فحسب، بل يعلّمنا جمال السلوك ونحن نقدّم.

فالعمل التطوعي ليس مجرد مهام وإنجازات، بل تجربة تعلّمنا المسؤولية، والرفق، والأمانة، وتقديم المصلحة العامة. وما يبدو خدمة للمجتمع قد يكون في حقيقته إعادة تشكيل هادئة لذواتنا.

ومن هنا تبدأ فلسفة الإدارة في العمل التطوعي، فالإدارة ليست توزيعاً للمهام وصناعةً للقرارات فحسب، بل إدارة للإنسان مع الإنسان. وتبدأ المسؤولية الحقيقية بإدارة الذات، والتمييز بين ما تريده «الأنا» وما تقتضيه «القيمة».

وهنا يبرز السؤال: من الذي يقود قراراتي: القيمة أم الأنا؟

فالعمل التطوعي ينقلنا من سؤال «ماذا سأحصل؟» إلى «ماذا سأضيف؟». وهذا المعنى يتجلى في قوله تعالى:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحشر: 9].

فالإيثار لا يعني إلغاء الذات، بل ألا نجعلها مركز كل شيء. والقيادة لا تكبر بحضور الإنسان، بل بقدرته على جعل القيمة أكثر حضورًا منه.

لذلك لا تُقاس قوة المؤسسات المدنية بعدد مبادراتها فقط، بل بالثقافة التي تصنعها. فاللوائح والحوكمة تنظّمان العمل، لكن الأخلاق هي التي تمنحه معناه، إذ لا يكفي أن نصل إلى النتيجة، بل أن نصل إليها بطريقة تحفظ قيمة الإنسان.

وربما لا تكون أعظم ثمرة للعمل التطوعي ما أنجزناه، بل ما صنعه الإنجاز في داخلنا.

فجمال العمل التطوعي يبدأ من جمال السلوك، وخدمة المجتمع لا تكتمل إلا حين تجعلنا أكثر إنسانية ونحن نخدمه.

back to top