فلسطين التي لم نعشها

نشر في 02-09-2026
آخر تحديث 01-09-2026 | 19:07
 هديل رشاد

بدأتُ أتصفح المواقع الإخبارية لأشرع في الكتابة عن موضوع يتعلق بفلسطين، لكنني لم أمضِ طويلاً قبل أن تتشتت عيناي بين الأخبار، وأحار أيّها أكثر إلحاحاً للكتابة والتوسع فيه، فكلها ملحّة، وكلها تتحدث عن مأساة الإنسان الفلسطيني، الذي لم أعد أعلم أحياناً: أكان كونُه فلسطينياً أمراً محموداً أم مذموماً؟

توقفتُ طويلاً عند بعض الأخبار، ثم وضعتُ رأسي بين كفّيّ، وأخذني عقلي بعيداً عن هذا العالم. لم أفكر هذه المرة في كل ما يحدث، بل فكرتُ في سؤال آخر: كيف كانت ستكون فلسطين لو لم تكن محتلّة؟

كيف كانت ستبدو مدنها وقراها وأزقتها العتيقة؟ كيف كانت عكا ويافا والناصرة وحيفا ستبدو اليوم؟ هل كانت شوارعها ستضجّ بالسياح، ومقاهيها بالناس، وبيوتها بأصحابها؟ هل كنا سنعرف مدننا بوصفها مدنًا عادية، نعيش فيها تفاصيلنا الصغيرة، ونصنع فيها ذكرياتنا دون أن نفكر كثيرًا في معنى أن نكون فلسطينيين؟

وتساءلتُ عن المسافة بين القدس وقطاع غزة. ربما لم تكن هناك مسافات أصلاً، كان يمكن أن تكون الرحلة من القدس إلى غزة مجرّد رحلة، نعبر خلالها البلاد، ونرى اختلاف مدنها ولهجات أهلها، ونمرّ بالقرى والمساحات الزراعية، ثم نعود في المساء إلى بيوتنا. كان يمكن للطلاب أن يختاروا جامعاتهم في أي مدينة، وللعائلات أن تقضي عطلات نهاية الأسبوع على شاطئ يافا أو غزة، وللناس أن يسافروا من مدينة إلى أخرى دون أن يخططوا للرحلة، وكأنها مغامرة.

وربما كان أشقاؤنا من الدول العربية والخليجية يأتون إلى فلسطين للصلاة في المسجد الأقصى، فنلتقي بهم، ونصطحبهم في جولات بين أزقة القدس العتيقة وميناء يافا وشوارع حيفا وأحياء عكا، ونجلس معهم إلى موائدنا، نطيل الحديث ونختلف ونضحك، ثم نودعهم على أمل لقاء قريب.

ختاماً... وبينما كنتُ أتنقل بين تفاصيل هذه الحياة التي لم نعشها، تسلل إلى المكان صوتٌ أعادني إلى حيث أجلس، رفعتُ رأسي، ونظرتُ حولي، وشعرتُ للحظة أنني كنتُ أزور وطناً أعرفه جيداً، لكنه لم يُمنح لنا كما تخيلته، فلم أكن أتخيل فلسطين مثالية، كنتُ أتخيلها وطناً عادياً فقط، لا احتلال فيه، ولا تهجير، ولا دماء، فلسطين التي لم نعشها قط.

* صحافية وكاتبة فلسطينية

back to top