الأغلبية الصامتة: الزرقا
ما هي الزرقا؟ إنها الجريدة الرسمية المعروفة بلونها الأزرق وإخراجها الثابت منذ عددها 11 ديسمبر 1954م، لقد خضت وما زلت مع تلك الجريدة تجربة مختلفة مع القراءة لمحتويات مطبوعة ليس لي فيها مصلحة مباشرة غير الاطلاع على محتويات تتضمن صياغات متفردة صقلتها التجارب، واستفدت منها في زيادة حصيلتي اللغوية.
ومنذ سنوات طويلة كانت تصلني كل يوم أحد في مقر عملي، وزملائي يكررون نفس السؤال: ما حاجتك لها؟ كانوا يسألون منزعجين من أكوامها التي أخذت مساحة فناجين القهوة وكؤوس الشاي على الطاولة، وكان جوابي: سيأتي يوم تحتاجون إليها، وقد دارت الأيام وجاءني أحدهم يسأل متلهفاً: أين الجريدة؟ كان يبحث عن صفحة نشرت فيه علامة تجارية تخص محلاً لأخيه، امتنعت عن الجواب حتى يتعلم احترام «الزرقا» وقلت له: ابحث، وبعد ساعة من التعب أرشدته للعدد المطلوب.
ومن لونها الأزرق المميز كلون البحر، ومن دروس الحياة والصحافة، خصصت لـ «الزرقا» مقعداً ثابتاً في حواراتي المتعلقة بأي قرار كبير، وكما نعرف تعج حوارات دواوين الكويت (اللي عروقها بالماي) بعشرات المحللين، وهؤلاء يبثون في زمن الصحافة الورقية عدداً لا يحصى من القرارات المهمة القادمة، وفي الصباح يتبخر كلام الليل.
ما يهمني مما سبق هي اللحظة الخانقة التي يكتشف فيها أولئك المحللون أنني صحافي، ساعتها تبدأ طلقات الأسئلة بشكل متصاعد حتى نصل إلى مرحلة القصف المكثف، والجميع يريد الإجابة التي ترضيه.
لقد كان زمناً مرهقاً ومسلياً بنفس الوقت، تعلمت فيه قاعدة تنهي كل حوار مستعر هي سؤال «هل نشر مرسوم بذلك في الجريدة الرسمية؟»، لقد كفتني تلك القاعدة عناء الدخول في حوارات مطولة لقرارات لم تصدر وعناء التصحيح والاعتذار. وذلك الزمان البطيء في إيقاعه الخبري انتهى وحلّت مكانه ثورة الإنترنت ووسائل التواصل الفورية.
لتصبح أخبار الحكومة والبرلمان وكل شيء منشورة لحظة وقوعها، قبل الصحف وبعض المسؤولين، ورغم هذه الفورة الإخبارية، بقيت متمسكاً بقاعدة «الزرقا» وقواعد أخرى معنية بضرورة التحقق من سلامة الأخبار والصور، خاصة مع انتشار «صنائع» الذكاء الاصطناعي وتورط ذوي الخبرة في تصديقها!
في الختام، أصبحت منذ فترة من الزمن محاصراً بسؤال جديد مختلف عن «ما حاجتك إلى الزرقا؟» إلى: «أين الزرقا؟».