ترامب يتبع البيانات في قضية مراكز البيانات
لطالما أتقن دونالد ترامب استغلال القضايا التي يتوافق فيها الرأي العام مع رؤيته الشعبوية، لكن مراكز البيانات تمثل أحد الاستثناءات. فترامب يريد بناء المزيد منها، خصوصاً تلك المخصصة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، معتبراً أنها «مهمة للغاية للاقتصاد»، بل ويمكن أن تصبح صناعتها أكبر من النفط.
في المقابل، بدأ مسؤولون ومرشحون من الحزبين، ومن بينهم حاكم تكساس غريغ أبوت، في الدعوة إلى فرض قيود على بنائها أو وقفها مؤقتاً.
والسبب مفهوم: الرأي العام بدأ ينقلب على مراكز البيانات بسرعة. ووفق استطلاع حديث، يعارض 70% من الناخبين إقامة مراكز بيانات تخدم الذكاء الاصطناعي في مناطقهم.
فهل فقد ترامب حسه الشعبوي؟ هل أصبح أسير شركات التكنولوجيا الكبرى، وغير مبالٍ بالناخبين من الطبقة العاملة الذين انتخبوه مرتين؟ في رأيي، الإجابة هي لا.
فالشعبوية الترامبية لطالما حملت نزعة مؤيدة للنمو. كما أدرك ترامب منذ سنوات أن التنمية الاقتصادية الأميركية عنصر أساسي في المنافسة الاستراتيجية مع الصين.
ومن هذا المنطلق، فإن دعمه لمراكز البيانات لا يمثل ابتعاداً عن شعار «أميركا أولاً»، بل يعكس مزيجه الخاص من اقتصاد السوق والسياسة الصناعية والحماية التجارية.
وقد أثبت ترامب مراراً استعداده لتحمل كلفة سياسية إذا كان ذلك سيعزز موقع واشنطن في مواجهة بكين.
وهذا ليس جديداً. فمنذ عام 2016، يتأرجح ترامب بين دعم النمو والسياسات الحمائية. ففي ولايته الأولى، حصل المحافظون اقتصادياً على خفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية، بينما أضاف ترامب الرسوم الجمركية والسياسة الصناعية لاستمالة ناخبي حزام الصدأ. لم يحصل أي طرف على كل ما يريد، لكن معظم الأطراف كانت راضية.
أما في ولايته الثانية، فأصبحت السياسة الاقتصادية أكثر حمائية وتدخلاً، مع تركيز أكبر على التنمية الوطنية والأمن القومي. لكن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يقدمان حالة استثنائية، لأنهما لا يفرضان علينا الاختيار بين النمو والأمن القومي.
فالذكاء الاصطناعي يدفع الاستثمار والناتج المحلي، وهو في الوقت ذاته أحد المجالات التي تتمتع فيها الولايات المتحدة بتفوق نوعي على منافسيها. ومراكز البيانات توفر القوة الحاسوبية التي تقوم عليها هذه الثورة التكنولوجية.
ولا تقتصر فوائدها على شركات التكنولوجيا. فهي تحتاج إلى عمال مهرة، وتوفر وظائف مستقرة وأجورًا جيدة. كما تحقق للمجتمعات المحلية إيرادات ضريبية كبيرة. ففي مقاطعة لودون بولاية فرجينيا، تشغل مراكز البيانات نحو 4% من الأراضي، لكنها تولد قرابة نصف إيرادات ضريبة العقارات.
لا أدعي أن مراكز البيانات بلا تكاليف. فهي تستهلك الأراضي والمياه والكهرباء، وقد تسبب الضوضاء وتشوه المشهد العمراني. لكن هذه المشكلات يمكن التعامل معها عبر سياسات مبتكرة، بدلًا من فرض حظر أو تجميد للبناء يجعل أميركا أفقر وأضعف.
وقد بدأت إدارة ترامب بالفعل بخطوة إيجابية، عندما أصدرت توجيهات تقضي بأن تمول مراكز البيانات احتياجاتها من الطاقة. ويمكن أيضاً منح شركات التكنولوجيا حوافز لتجميل منشآتها ودمجها بصورة أفضل في المجتمعات التي تقام فيها.
الغضب الشعبي حقيقي، سواء بسبب تكاليف المعيشة أو الذكاء الاصطناعي أو الرئيس ترامب نفسه. لكن الرد الصحيح ليس الانزلاق إلى سياسات مناهضة للنمو والتنمية.
علينا معالجة المخاوف المشروعة بشأن مراكز البيانات دون التضحية بالازدهار الاقتصادي والتفوق الأميركي. ترامب يفهم ذلك. وينبغي للجمهوريين أن يفهموه أيضاً.
* ماثيو كونتينيتي