على الطريق... روايات مكررة ومحللون مؤدلجون!
لا أعرف حقيقةً ما الفائدة المرجوة من الاستضافة المتكررة لمحللين إيرانيين على القنوات الفضائية الخليجية، خصوصاً عندما تتحول بعض هذه اللقاءات إلى منصة لإعادة تقديم وجهة نظر النظام الإرهابي في إيران، وهي وجهة باتت معروفة ومكررة ومستفزة إلى حد كبير.
من حق أي وسيلة إعلامية أن تستضيف مختلف الآراء، بل إن إتاحة المجال للرأي والرأي الآخر جزء أساسي من العمل الإعلامي المهني. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل تحظى المعارضة الإيرانية بالمساحة نفسها؟ وهل تستطيع القنوات التي تكرر استضافة المدافعين عن النظام الإيراني سواء كانوا مستفيدين أو موالين أن تمنح الفرصة ذاتها لشخصيات إيرانية معارضة تكشف ما يجري داخل إيران وتقدم رواية مختلفة عن الرواية الرسمية؟
المشكلة لا تتوقف عند حدود الخطاب الإعلامي الإيراني بل تمتد إلى التناقض الواضح بين تصريحات السياسيين الإيرانيين وتصريحات الحرس الثوري بما يوحي بوجود رسائل متعددة ومصالح متباينة داخل منظومة الحكم. وفي الوقت نفسه يبدو أن طهران ما زالت تراهن على سياسة النفس الطويل والمماطلة في المفاوضات، مستفيدة من عامل الوقت، في حين يدفع الشعب الإيراني ثمن هذه السياسات اقتصادياً واجتماعياً.
والمفارقة أن بعض المحللين الذين يظهرون على الشاشات الخليجية يقدمون تبريرات ومواقف لا تختلف كثيراً عن الخطاب الرسمي، في حين أن المتلقي العربي بات أكثر قدرة على التمييز بين التحليل المستقل والدعاية السياسية. فهل المطلوب فعلاً أن نسمع الرواية الإيرانية أم أن المطلوب أن نفهم ما وراء هذه الرواية؟
والسؤال الأهم: لماذا لا نرى المساحة نفسها لمعارضين إيرانيين يستطيعون الحديث بحرية عن سياسات النظام القمعية وعن أوضاع الشعب الإيراني وعن دور المؤسسات العسكرية والأمنية في صناعة القرار؟
لا شك أن الإعلام المهني لا يخشى سماع أي طرف، لكن المهنية تقتضي أيضاً ألا تتحول الشاشات إلى مساحة أحادية الاتجاه. وإذا كانت بعض التصريحات الصادرة من طهران متناقضة إلى درجة يصعب معها معرفة الموقف الحقيقي فإن استضافة صوت واحد وتقديمه باعتباره ممثلاً للرؤية الإيرانية لن تساعد المشاهد على فهم الصورة بل قد تزيدها التباساً.
في النهاية، فإن القضية الأهم تأتي في التوازن والهدف. فالإعلام الذي يفتح أبوابه للرواية الإيرانية مطالب بالقدر نفسه بفتحها لمن يختلف معها حتى يسمع المشاهد الصورة كاملة لا النسخة التي تريد طهران أن يسمعها.