صناعة التشريع بين الرأي والتخصص

نشر في 28-08-2026
آخر تحديث 27-08-2026 | 18:02
 أحمد محمد العبدالعالي

لفت نظري في الآونة الأخيرة الحديث عن بعض التشريعات بالنقد أو الاقتراح، وإن بدا ذلك محموداً في بعض جوانبه، إلا أن صناعة التشريع أعمق من مجرَّد إبداء رأي في نصٍ أو اقتراح بتعديله، فهي صناعة لها أصولها وأدواتها والمختصون فيها. 

ولعلي ألج هذا الباب وأتناول جزءاً من العمل التشريعي، مستحضراً قراءتي أثناء دراسة الماجستير لكتاب «تدرج القرارات الإدارية ومبدأ الشرعية» للدكتور ثروت بدوي، رحمه الله، طبعة 2007. 

وباختصار، تناول هذا الكتاب مفهوم مبدأ الشرعية وتطوره، ومعناه الشكلي هو أن مصدر وأساس النظام القانوني هو كل ما يتفق مع القانون الصادر من البرلمان يكون مشروعاً، وبذلك تحدَّدت مصادر الشرعية. وأُحيط هذا المبدأ بهالة من القدسية والاحترام، ومنعت كل رقابة عليه، بحيث لا يكون للسُّلطة التنفيذية سوى تنفيذ القوانين. وهذا المبدأ في أصله قام على فقه الثورة الفرنسية، وقد أشار رحمه الله إلى أن هذه الفكرة خيالية، وعجز البرلمان عن مواجهة الكثير من الأمور أدى إلى ضرورة الاعتراف للإدارة وأجهزتها الفنية بحق التشريع، فهي الأقدر على التنظيم، حتى انتهى رحمه الله إلى أن ذلك يحتاج إلى خبرات فنية متخصصة. 

وهنا الشاهد، صناعة التشريع عبارة عن دراسة موضوعية تحليلية تقوم على أيدي خبراء ضليعين في القانون متمرسين ممن خبروا دهاليز التشريع وأحاطوا بدقائقه. 

ومن أهم مرتكزات الصياغة التشريعية الناجحة: الاستناد إلى السوابق القضائية والأحكام ذات الصلة، والتجارب الواقعية والحالات العملية التي أفرزت الحاجة للتنظيم، والدراسات المقارنة والتشريعات المماثلة، والبحوث القانونية والأكاديمية المتخصصة، والتقارير الفنية والإحصائية الصادرة من جهات الاختصاص، والاستعانة بالمراكز البحثية والجامعات والجهات العلمية المتخصصة، ومن ذلك جامعة الكويت والكليات التابعة لها، لما تملكه من خبرات أكاديمية وبحثية تُسهم في دعم جودة التشريع، وقياس آثاره المتوقعة قبل إقراره، بما يضمن صدور نصوص أكثر اتزاناً وواقعية وقابلية للتطبيق، وهذا كُله بيد الدولة. وأخص بالذكر الجامعات والهيئات والمؤسسات التعليمية، لما لها من دور مؤثر في بناء الوعي المجتمعي وتنميته، فالوعي المتنامي يزداد رسوخاً ونُضجاً، من خلال التثقيف المستمر عبر هذه المؤسسات، وفي مختلف المراحل العُمرية والتعليمية، بما يُسهم في ترسيخ فهم التشريعات ومقاصدها وأهمية الالتزام بها. 

وأختم، ويبقى فوق ذلك كله، أن التشريع في مجتمعنا لا ينفصل عن مرجعيته وقيمه، فالشريعة الإسلامية، بما قررته من أصول كلية ومقاصد عظيمة وفي مقدمتها إقامة العدل وحفظ الحقوق ورفع الضرر وتحقيق المصالح ودرء المفاسد، تمثل معيناً أصيلاً يسترشد به المشرع في بناء الأحكام وتنظيم شؤون المجتمع.

back to top