العمل الحكومي... ساعات أم مهام؟
مع اقتراب نهاية شهر أغسطس وانتهاء فترة العمل بنظام تخفيض ساعات الدوام خلال أشهر الصيف، تبرز أهمية تقييم هذه التجربة بصورة موضوعية، بعيداً عن الجدل حول زيادة ساعات العمل أو تقليلها، فعدد الساعات ليس المعيار الوحيد لقياس كفاءة الأداء. القضية الأهم هي تحقيق التوازن بين راحة الموظف، وكفاءة الأداء، وجودة الخدمة المقدمة للمراجعين، وهو ما يتطلب دراسة حجم الأعمال الفعلي، وعدد المعاملات والمراجعين، والوقت اللازم لإنجاز المهام.
لا شك في أن تخفيض ساعات العمل قد يخفف الإرهاق ويمنح الموظف فرصة أكبر للراحة، بما قد ينعكس إيجاباً على التركيز والإنتاجية، لكن المشكلة تظهر عندما تنخفض ساعات الدوام بينما يبقى حجم العمل كما هو، فالموظف الذي كان مطالباً بإنجاز عدد معين من المعاملات خلال ساعات أطول، قد يجد نفسه مطالباً بإنجاز الحجم نفسه خلال وقت أقل، ما قد يؤدي إلى ضغط العمل وتقليص الوقت المخصص للتدقيق والمراجعة، وبالتالي التأثير في جودة الخدمة.
وهنا يبرز السؤال: هل تمت إعادة تقييم حجم الأعمال بالتوازي مع تخفيض ساعات العمل، أم ظل حجم المطلوب من الموظف كما هو؟ الإنتاجية لا تقاس بعدد ساعات وجود الموظف في مقر العمل، وإنما بما ينجزه خلال هذه الساعات وبجودة ما يقدمه، فوضوح الإجراءات، وحسن توزيع المهام، وتوافر الأدوات، والتحول الرقمي، وتقليل الإجراءات غير الضرورية، كلها عوامل قد تجعل الموظف أكثر إنتاجية حتى خلال ساعات عمل أقل، كما أن جودة الخدمة تبدأ من الموظف لكنها لا تنتهي عنده، لأن ضغط العمل وتكدس المعاملات قد ينتقلان في النهاية إلى المراجع من خلال تأخر إنجاز المعاملات وزيادة فترات الانتظار.
ومن هنا، فإن المراجع يجب أن يكون الاختبار الحقيقي لأي نظام للعمل، ويمكن تقييم نجاح تخفيض ساعات الدوام من خلال مؤشرات واضحة، مثل عدد المعاملات المنجزة، وسرعة تقديم الخدمة، ومعدلات الانتظار، ونسبة الأخطاء، ومستوى رضا المراجعين، فإذا حافظت المؤسسة على جودة الخدمة وسرعة الإنجاز مع ساعات عمل أقل، فهذا دليل على كفاءة تنظيم العمل، أما إذا تراكمت المعاملات وتأخرت الخدمات فيجب البحث عن الخلل في توزيع الموظفين والمهام والإجراءات والموارد، بدلاً من تحميل الموظف وحده مسؤولية النتائج.
ومع انتهاء فترة العمل الصيفي، تبدو الفرصة مناسبة لإعادة تقييم العلاقة بين ساعات العمل وحجم الأعمال والقوى العاملة، بحيث يتم توزيع الموظفين وفق الاحتياجات الفعلية لكل إدارة وقسم، وتطوير الإجراءات، والتوسع في الخدمات الرقمية، وتقليل الأعمال التي تستهلك الوقت دون قيمة مضافة، فالمطلوب ليس ساعات عمل أطول أو أقصر، وإنما إنتاجية أفضل وخدمة أعلى جودة. والإدارة الحديثة لا تسأل فقط: كم ساعة عمل الموظف؟ بل تسأل: كم أنجز؟ وما جودة ما أنجزه؟ وكم استغرق تقديم الخدمة؟ وهل حصل المراجع على الخدمة التي يستحقها؟ وحين تتوازن ساعات العمل مع حجم الأعمال، يستفيد الموظف، تتحسن الخدمة، وترتفع كفاءة المؤسسة.
* رئيس الاتحاد الوطني للموظفين