بقايا خيال: لست عليهم بمسيطر
ما أعرفه عن الأرمن أن السواد الأعظم منهم، إن لم يكن كلهم، يدينون بالدين المسيحي، أقول هذا لأنني شخصياً لم أرَ ولم أسمع، حتى هذه اللحظة على الأقل، عن أرمني واحد مسلم. فأنا أعرفهم جيداً كجيران لنا في منطقة «جبلة»، وكزملاء عمل في البنك، وكعملاء أثناء عملي المصرفي، وكعلاقات تجارية، وكأصدقاء أيضاً. ومن واقع تجاربي الشخصية مع الأرمن طوال السنوات الماضية عرفت عنهم أنهم قمة في الأخلاق كجيران، وأوفياء كأصدقاء. لهذا فأنت أحياناً لا تشعر بأنهم يختلفون عنك لا في الدين ولا في العادات ولا في التقاليد، الأمر الذي أجبرني على محبتهم «من قلب»، ومازلت أحتفظ بهذه الصداقات الحميمية معهم حتى يومنا هذا. أقول هذا لأنه قبل أيام قام أحد الأصدقاء «الأرمن»، واسمه آزاد، بإرسال رسالة إليَّ تتضمن بعض الآيات القرآنية والأدعية الدينية التي لا يرددها غير المسلمين، واختتم رسالته بدعوة فيها إصرار واضح لإرسالها إلى عشرة أشخاص من أجل كسب الأجر. فقمت بالاتصال به متسائلاً ومستغرباً في الوقت نفسه من تلقي رسالة إسلامية من مسيحي، فأخبرني بأن أحد معارفه من «المتشددين «يكثر من إرسال مثل هذه الرسائل إليه، الأمر الذي دفعه إلى مخاطبة هذا المتشدد طالباً منه عدم إرسال رسائل دينية إليه، لأنه في غالب الأحيان لا يفهم معانيها ولا مقاصدها، وبدلاً من أن يرضخ هذا المتأسلم لطلب صديقه، رد عليه قائلاً بأن الأفضل إعادة إرسال الرسالة ليكسب الأجر. الغريب في الأمر أن مثل هذا التصرف إذا كان يمارسه بعض المسلمين مع المسيحيين فما بالك بتصرفاتهم كمسلمين مع المسلمين أنفسهم؟ وقد قلتها شخصياً لأحد الأصدقاء من الذين لا يمر يوم إلا ويرسلون إليَّ أكثر من عشر رسائل دينية تشعرك وكأن مثل هؤلاء الأصدقاء ينظرون إليك وكأنك غير مسلم، أو كأني بهم يحاولون المستحيل لإقناعك بدخول هذا الدين، أو كأنك دخلت الإسلام للتو فيحاولون تلقينك مبادئ الدين. فهم يرسلون لك رسائل نصية مع مجموعة روابط لمواقع إلكترونية تتعلق بترتيل القرآن الكريم أو أحاديث نبوية شريفة أو أدعية أو أعمال شهور السنة الهجرية. ولو توقفوا عند هذا الحد لهان الأمر، ولكنهم يختمون رسائلهم بجمل تحذيرية تخيرك بين مواصلة الإرسال أو تحمل عواقب مصائب «غيبية» قد تنزل عليك. ومن هذه الجمل التحذيرية: «الرجاء عدم التوقف عند قراءة هذه الرسائل، يرجى إرسالها إلى عشرة من معارفك حتى لا تصيبك مصيبة لا سمح الله»، أو «نحاول تحقيق المليون قارئ، يرجى إرسال الرسالة إلى عشرين من معارفك لكي تكسب الأجر»، وغيرها من التحذيرات «الرقمية» الكثيرة التي لا نريد أن نزعج بها القارئ العزيز. ولا أدري كيف يختلقون مثل هذه الطقوس الكتابية، ولا أعرف مصدر هذا الإصرار الغريب على دعوة الآخرين إلى إعادة إرسال الرسائل لعدد محدد من المتلقين، وكأن هناك آية قرآنية أو حديثاً شريفاً يدعونا إلى ممارسة هذا السلوك. وإذا كان كثير من المتلقين منزعجين من هذه الرسائل الدينية المليئة بالطلبات الغريبة فلماذا يصرون على إقحام المتلقين أيضاً من غير المسلمين في مواصلة مسلسل إزعاج الناس؟