لقمان محمود: القصيدة مكان يجعلني سجيناً وطليقاً
أكد لـ الجريدة. أن الشعر لعبة لغوية وجمالية يخبئ فيها الشاعر أسراره
• بعد صدور الجزء الأول من أعمالك الشعرية وترجمة قصائدك إلى لغات عِدة، كيف تريد أن يقرأك القارئ العربي والعالمي اليوم؟
- أريد من القارئ الكردي والعربي والسويدي والعالمي اليوم أن يقرأني كمبدع أولا، لا كشاعر كردي أو عربي أو سويدي. لا أريد أن أكون مقيّداً في جغرافيا محددة، وبما أن الشعر يفتح أذرعه لكل الرياح والثقافات واللغات، فإن الترجمة هي القناة الأولى لهذا التفاعل الثقافي، فهي تُعمم قيم الحرية والتسامح والاختلاف والتعدد.
لذا أتمنى أن يرى القارئ العالمي في قصائدي مخاوفي وانتصاراتي وانكساراتي، وأتمنى أن يجد القارئ العربي فيها امتداداً لوعيه ومعرفته بالآخر الذي يسكن بالجوار، فصدور هذه الأعمال الشعرية (الجزء الأول)، ليس نهاية المطاف، بل بداية لصدور الأجزاء الأخرى في قادم الأيام.
الشعر يفتح أذرعه لكل الرياح والثقافات واللغات... والترجمة تنقل التفاعل الثقافي
• بعد أكثر من 3 عقود من الكتابة، كيف تنظر اليوم إلى التحولات التي مرت بها تجربتك الشعرية منذ «أفراح حزينة» وحتى «في الطريق إلى نفسي»؟
- أرى أن تجربتي الشعرية لم تكن مجرد انتقال من محطة إلى أخرى، بل رحلة تحوُّل وجودي وفني عميق تعكس نضج الذات وتطوّر أدواتها التعبيرية، وإذا أردنا رصد هذه التحولات من البدايات في «أفراح حزينة» نجد أنها محملة بالدهشة الأولى، والاشتباك مع القضايا القومية والاجتماعية والعاطفية التي كانت تتأرجح بحدة بين الفرح والحزن، فالشعر في هذه المجموعة كان هو المشي وحيداً في الاتجاه المعاكس، لذا كنت ألجأ أحياناً إلى عالم مصنوع من الكلمات حين يرهقني هذا الواقع.
أما في مجموعة «في الطريق إلى نفسي» فقد تحوَّل الشعر إلى عين تبصر الداخل، وأصبحت القصيدة بمنزلة مُحرِّض على اكتشاف الحقائق بما تملكه من حساسية الرؤية وخصوصية الالتقاط والتصوير والتعبير، وتتسم هذه المجموعة بشدة التكثيف اللغوي وحِدَّة الصورة الشعرية، كما تزخر بالقصائد الموجزة التي تُختزل فيها اللغة إلى أقصى حد.
• تكتب بالعربية والكردية، ووصفت القصيدة بأنها «وطن وبنفس الوقت منفى»، كيف أثرت اللغتان في رؤيتك للشعر والهوية؟
- كل لغة هي باب جديد ينفتح على الحياة وعلى العالم وعلى الإبداع، وبما أن الإبداع في جوهره يتعلق بالوعي الجمالي، فإنه نادراً ما ينفصل عن الوعي الإنساني الذي يحاول جعل العالم أجمل وأكثر سلماً، لتتعايش الثقافات واللغات في جو من الوئام.
من هنا، فإن كتابتي باللغتين الكردية والعربية ما هي إلا بحث مستمر عن مزيد من الأجنحة التي تطلقني إلى آفاق أوسع، أما وصفي للقصيدة بأنها «وطن ومنفى في آن واحد» فذلك لأنها المكان الوحيد الذي يجعلني سجيناً وحراً طليقاً.
• تقول إن القصيدة تستطيع أن تحفظ أسرار الشعوب وهويتها، كيف يمكن للشاعر أن يحافظ على خصوصية هويته من دون أن يفقد البعد الإنساني والعالمي؟
- الحفاظ على خصوصية الهوية لا يعني الانغلاق، وبما أن الشعر يختلف عن بقية الفنون بـ «اللعبة اللغوية» فإن الشاعر «يخبئ» في شعره الأسرار الأعمق للشعب الذي ينتمي إليه، لذا لا يمنح المعنى بشكل مباشر، بل عبر شفرات جمالية، ومن هذه الزاوية تحديدا تكتسب القصيدة بعدها الإنساني والعالمي، فالشعوب تكتسب أسرار بعضها من خلال الشعر، وما اللغة سوى بهجة في ذاتها.
• تعرضت للاعتقال عام 2001 بسبب ديوان «دلشاستان»، كيف أثرت تلك التجربة في علاقتك بالحرية والكتابة والشعر؟
- تأثّرتُ مرتين، مرة ككردي يرى في هويته قضية عادلة، وأخرى كشاعر يرى في الكلمة فضاءً لا يقبل القيود. الاعتقال لم يكن مجرد جدران، بل كان اختباراً حقيقياً لجدوى ما أكتب، وهناك اكتشفتُ أن من مهام الشعر الحقيقية البحث المستمر عن الحرية، وأن مجرد هذا البحث كفيل بأن يجعل الحياة ذات هدف ودلالة.
وبعد عام 2001، لم تعد الكتابة عندي مجرد ترف جمالي، فأنا مثل أغلبية الشعراء الأحرار الذين يؤمنون بأن الأحرار في العالم هم الحالمون الكبار، وبهذا المعنى أنا شاعر حلمي، وما الكتابة سوى محاولة لصناعة عالمٍ جميل ومختلف.
• الحلم والذاكرة والمنفى ثيمات حاضرة بقوة في تجربتك، هل ترى الشعر وسيلة لمواجهة الواقع أم لصناعة عالم بديل أكثر جمالاً؟
- الشعر في نظري ليس تخييراً بين مواجهة الواقع أو الهروب منه لصناعة عالم بديل، بل هو الاثنان معاً. الحلم والذاكرة والمنفى ليست مجرد ثيمات، بل هي أدواتي لتفكيك هذا الواقع وإعادة تركيبه، فالشعر أولاً وأخيراً هو أفضل طريقة لملامسة الحياة من أطرافها المتعددة.