حكاية الأشياء التي لم ترَ بعد!
يُحكى أن فتىً كان يعيش في بلدٍ ما، وكان في ذلك البلد حديثٌ قديم يتوارثه الناس: أن في أطراف البلاد ثلاثة أشياء لا يكاد أحد يراها إلا في الخيال.
كان أولها غولاً يقال إنه لا ينام إلا حين يأخذ كل ذي حق حقه، وثانيها عنقاء لا يثبت لها ريش في سماء طويلاً، وثالثها خلّاً وفياً لا تغيّره الأيام.
كبر الفتى، وكبرت معه الحكاية، حتى غلبه الفضول ذات صباح وخرج يبحث عنها بنفسه.
وكان كلما دخل مكاناً سأل عن الغول، فيقول له بعضهم: مرّ من هنا منذ زمن، ويقول آخرون: رأينا ظله ذات مساء، وكان إذا سأل: وأين هو الآن؟ سكتوا، وكأن الغول لا يظهر إلا حين يكون الكلام عن الإنصاف سهلاً، ثم يغيب عندما يحين أوانه.
ثم سأل عن العنقاء، فقيل له إنها كانت تحلّق فوقهم دائماً، حتى ظن الناس أن السماء لا تخلو منها، ثم اختفت، ولم يبقَ منها إلا ريشة يتيمة، يتناقلها الناس ولا يعرف أحد أين سقطت، وقيل إنها لا تظهر إلا لمن يرفض بيع ما اؤتمن عليه، وينطق بالحق حتى وإن كان ثمنه أثقل من الصمت.
أما الخل الوفي فكان أمره أعجب، فكان كلما سأل عنه دلّه رجل على شخص آخر، وكلهم يقول إن فلاناً هو الخل الوفي، وظل يمشي حتى أدرك أن بعض الأشياء قد تضيع عندما يكثر الناس من الدلالة عليها.
ومضى الفتى في طريقه، حتى بلغ بئراً قديمة، فوجد عندها شيخاً هادئاً، فسأله: يا عم، هل رأيت شيئاً من هذه الأشياء؟
رفع الشيخ عينيه، وقال: رأيت آثارها، يا بني، أما هي فلم أرها قط. فعاد الفتى إلى داره مبتسماً، ولم يخبر أحداً بما سمع.
فقد عرف أن بعض الحكايات لا تُروى لأن لها نهاية، بل لأن الناس يحتاجون إلى شيءٍ يتحدثون عنه أحياناً، حتى وإن كان من وحي الخيال!