الاستهلاك... ثقافة أم داء؟!
يُنظر إلى الاستهلاك في المجتمعات الحديثة بوصفه جزءاً من «الثقافة المعاصرة»، غير أن هذا الوصف يحتاج إلى بعض التدقيق. فالثقافة في جوهرها منظومة من القِيم الواعية التي تُنظم سلوك الإنسان، وتوجِّه اختياراته نحو الأفضل، بما في ذلك الاستهلاك الرشيد القائم على الحاجة والتخطيط والتوازن. أما حين يتحوَّل الإنفاق إلى سلوك تلقائي لا يرتبط بالحاجة، وتحكمه المقارنة بالآخرين أو الرغبة في الظهور، فإننا لا نكون أمام ثقافة استهلاكية بقدر ما نكون أمام نمطٍ اجتماعي مضطرب يمكن وصفه بداء الاستهلاك.
في صورته السليمة، يكون الاستهلاك امتداداً للعقل الاقتصادي الرشيد: شراء الفرد لما يحتاجه، إدارة موارده بوعي، وتوجيه دخله بما يحقق الاستقرار الأُسري والمعيشي. أما في صورته المنحرفة، فيتخذ طابعاً استعراضياً، حيث تُصبح المقتنيات وسيلة لإثبات المكانة، لا لتلبية الحاجة، ويتحوَّل الإنفاق من أداةٍ للحياة إلى غاية في ذاته، وهنا يبدأ الخلل الحقيقي.
هذا الداء لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد أثره إلى البنية الاجتماعية ككل. فعلى المستوى النفسي، يُولِّد شعوراً دائماً بعدم الرضا، لأن معيار القيمة يتحوَّل من الكفاية إلى المقارنة. وعلى المستوى الأُسري، يضغط على الدخل، ويخلق توتراً دائماً بين الإمكانيات والرغبات، مما ينعكس على الاستقرار والعلاقات داخل الأسرة. أما مادياً، فإنه يقود إلى استنزاف الموارد الشخصية، وارتفاع معدَّلات الديون، وتراجع القدرة على الادخار أو الاستثمار.
والأخطر من ذلك هو أثره المجتمعي غير المباشر. فالمجتمعات التي يغلب عليها الطابع الاستهلاكي المفرط تنشغل بالشكليات والمظاهر أكثر من انشغالها بقضايا التنمية والإنتاج، فتتحوَّل الانشغالات العامة إلى أنماط حياة ومظاهر اجتماعية، فيما تتراجع اهتمامات التعليم والنهوض والارتقاء. ومع الوقت، يتشكَّل وعي جمعي منشغل بالاستهلاك أكثر من البناء، وبالامتلاك أكثر من الإنتاج.
من أبرز العوامل التي عمَّقت هذا النمط في العقود الأخيرة، تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الموجَّه. فقد تحوَّلت المنصات الرقمية والخطاب الإعلامي، بكل أشكاله، إلى ميدان عرض للمشتريات الجديدة، ولأساليب العيش الفاخرة، وللرحلات المشوقة والتجارب الاستهلاكية الفاخرة، الأمر الذي يخلق ضغطاً نفسياً على المتلقي، ويدفعه إلى المقارنة، ثم إلى الاستهلاك، بوصفه وسيلة للتماهي مع الصورة السائدة.
***
لا يعني نقد الاستهلاك الدعوة إلى الزهد المُطلق أو رفض مظاهر الحياة الحديثة، بل إلى إعادة التوازن بين الحاجة والرغبة، وبين ما هو ضروري وما هو استعراضي. فالاستهلاك حين يُضبط بالعقل والقيم يتحوَّل إلى عنصر من عناصر الاستقرار، لكنه حين يُترك بلا ضوابط يتحوَّل إلى قوة استنزاف صامتة للأفراد والمجتمعات.
إن أخطر ما في داء الاستهلاك أنه لا يُشعر الإنسان بأنه مريض، بل يمنحه وهماً مؤقتاً بالإنجاز عبر الامتلاك، في حين أنه يُفرغه تدريجياً من القدرة على الاكتفاء. وعند هذه النقطة تحديداً، تُصبح إعادة تعريف الاستهلاك ضرورة، لا فكرية فقط، بل اجتماعية وتنموية أيضاً، لأن المجتمعات لا تُقاس بما تستهلكه، بل بما تُنتجه وبما تُضيفه من معنى وقيمة للحياة.
* كاتب ومستشار قانوني