الامتداد العربي في مواجهة الزحف الصهيوني والصلف الفارسي
لقد أثبتت لنا الأيام والسنوات القليلة الماضية حقيقة لطالما تجاهلتها السياسة، وهي ضرورة احترام الجغرافيا في العلاقات الدولية، فالجغرافيا ليست مجرد خرائط وحدود مرسومة على الورق، بل قوة صامتة تصنع موازين النفوذ، وتحدد مساحات الحركة والتمدد والانكفاء.
فبعد انكسار الهلال الفارسي في سورية ولبنان، وتضعضعه اليوم في العراق، بات واضحاً مدى أهمية الامتداد العربي في مساحاته الطبيعية، وقدرته على كبح المطامع والمشروعات القومية والإقليمية المنافسة.
لقد انكفأ المشروع الإيراني إلى حدوده الجغرافية الطبيعية، ولم يبقَ من امتداده الإقليمي إلا نتوء محدود والمتمثل في جماعة الحوثي المنهكة من سنوات الحرب، وجماعة أخرى في غزة تبحث اليوم عن مخرج وملاذ آمن بعد أن دفعت المنطقة كلها ثمناً باهظاً لمغامراتها السياسية.
هذا الانحسار في المشروع الفارسي يفتح أمام العرب فرصة تاريخية لإعادة التموضع في جغرافيتهم الطبيعية، واستعادة حضورهم في فضائهم الحيوي الممتد من عدن جنوباً إلى عفرين شمالاً، ومن سواحل الخليج العربي شرقاً إلى طنجة غرباً.
وليس المقصود بهذا الامتداد العربي استعادة أحلام الماضي بلغة الشعارات، ولا بناء مشروع قومي أو توسعي جديد، وإنما إدراك حقيقة بسيطة أن الأمة التي تعرف جغرافيتها، وتربط مصالحها، وتحمي فضاءها الحيوي، تكون أقدر على حماية سيادتها ومنع الآخرين من ملء الفراغ في محيطها.
فالجغرافيا العربية، إذا تحولت من مجرد مساحة واسعة إلى شبكة من المصالح والتعاون والتكامل، تصبح أحد أهم أسلحة العرب في مواجهة المطامع الصهيونية والمشروعات الإقليمية المنافسة.
والعرب اليوم، مثل العملاق الكسول الذي لو مدّ أطرافه قليلاً ووصل ما انقطع منها، لأدرك حجم ما يملك من جغرافيا وموارد وأسواق وقدرات بشرية وحضارية، ولاستطاع أن يزيح عن محيطه كثيراً من الغبار والمخلفات التي تراكمت خلال عقود من النوم.
فصواريخ إيران وطبول الحرب الإسرائيلية، مهما ارتفع ضجيجها، لا ينبغي أن تكون سبباً للتباطؤ أو التقهقر بقدر ما تكون جرساً يذكّر هذا العملاق بقوته الحقيقية.
وبالنهاية، المنطق السياسي السليم يقول إن الشرق الأوسط لن يستقر حينما يتصارع الآخرون على فراغه، وإنما حين يستعيد أهله القدرة على إدارة جغرافيتهم، وحماية مصالحهم المشتركة، بعيداً عن أوهام القوة الذاتية أو المشاريع المنفردة بالسلطة أو القرار!