الخليج العربي.. توسع تكتيكي

خورخي رافو.. الأمين العام لوزارة الخارجية البيروفية

نشر في 24-08-2026 | 11:15
آخر تحديث 24-08-2026 | 11:39

قليلةٌ هي الصور التي تجسّد تحوّل الخليج العربي بوضوحٍ يفوق ما تجسّده صورة دبي. ففي غضون بضعة عقود فقط، تحوّلت مدينةٌ كان اقتصادها مرتبطًا بصيد الأسماك والتجارة البحرية إلى مركز عالمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وما شهدته دبي لا يُعدّ ظاهرةً منفردة.

فقد وضعت الكويت والسعودية، ودولة الإمارات، وقطر، وسلطنة عُمان، ومملكة البحرين أجنداتٍ وطنية للتنمية تمتد آفاقها حتى عام 2030، وتهدف إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل اعتمادها على الهيدروكربونات. وتتلاقى هذه الاستراتيجيات في تعزيز قطاعات جديدة، مثل التمويل والسياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، مع اختلاف الأولويات وفقًا لقدرات كل دولة وأهدافها.

وتشترك الدول الست الواقعة في الخليج العربي في أرضية ثقافية عربية وإسلامية مشتركة، مع اختلاف مساراتها السياسية.

ولم يحل هذا التنوع دون تنسيق جهودها في إطار مجلس التعاون الخليجي.

ويتطلب فهم هذا التحول أكثر من مجرد حصر للبيانات الاقتصادية. ومن المناسب في هذا السياق الاستعانة بمفهوم «التعددية المركبة» (Multiplexity) لوصف النظام الدولي الراهن، الذي لم يعد من الممكن تفسيره حصرًا من خلال التعددية القطبية التقليدية، أي توزيع القوة الصلبة والعسكرية والاقتصادية بين الدول.

وعلى خلاف ذلك المقياس التقليدي، تقيّم «التعددية المركبة» قدرة الجهات الفاعلة على التفاعل، أي قدرتها التنظيمية والمادية على نقل الأفكار والسلع والموارد عبر النظام العالمي، ضمن نظام تتعايش فيه مراكز متعددة للقوة والقواعد والمؤسسات، وتتوزع فيه السلطة بين جهات فاعلة تابعة للدول وأخرى من غير الدول، ومنظمات دولية، وشركات عابرة للحدود، ومجتمعات ثقافية.

ومن خلال هذا المنظور، تبرز دول الخليج بوصفها جهات فاعلة ذات دور قيادي متنامٍ، وذلك تحديدًا لأنها طوّرت قدرات التفاعل هذه، بما يتيح لها تعزيز حضورها إلى ما هو أبعد بكثير من نطاقها الجغرافي المباشر. ومن ثم، فإن المسألة بالنسبة إلى بيرو تتمثل في تحديد كيفية الانخراط على النحو الملائم في هذا التحول.

بدأ انخراط بيرو مع العالم العربي عبر مسار متعدد الطرف امتد على مدى عقدين. ففي عام 2005، وخلال القمة الأولى لرؤساء دول وحكومات المنطقتين التي عُقدت في برازيليا، أُنشئ منتدى التعاون بين دول أميركا الجنوبية والدول العربية (أسبا). وتواصل هذا المسار من خلال القمة الثانية التي عُقدت في الدوحة عام 2009، والقمة الثالثة التي عُقدت في ليما عام 2012.

وإلى جانب تناول الأجندة الدبلوماسية، تضمنت القمة الأخيرة أنشطة ثقافية واجتماع أعمال واسع النطاق. وبعد القمة الرابعة التي عُقدت في المملكة العربية السعودية عام 2015، لم يُعقد منتدى أسبا مرة أخرى. كما أن الاجتماع الذي كان مقررًا عقده في فنزويلا عام 2018 لم ينعقد في نهاية المطاف. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا الجمود في الحوار بين الإقليمين إلى انقطاع العلاقات على المستوى الثنائي.

بل على العكس، وسّعت بيرو تدريجيًا حضورها الدبلوماسي في المنطقة من خلال افتتاح سفارات وإعادة افتتاح أخرى في السعودية، مع اعتماد غير مقيم لدى عُمان والبحرين، وفي قطر والكويت، ومؤخرًا في الإمارات. وبالتوازي مع ذلك، أنشأت قطر و السعودية والإمارات سفاراتها في ليما في الأعوام 2012 و2013 و2016 على التوالي.

وفي إطار هذه الجهود الدبلوماسية، قام وزير الخارجية آنذاك، شيالر، خلال الفترة من 27 أبريل إلى 1 مايو 2025، بجولة شملت قطر والإمارات العربية المتحدة والكويت والسعودية، وهي أول زيارة رسمية يقوم بها وزير خارجية بيروفي إلى المنطقة منذ خمسة عشر عامًا.

وهدفت الجولة إلى إضفاء مزيد من الزخم على العلاقات السياسية مع دول الخليج، وعلى هذا الأساس، ترسيخ مكانة بيرو بوصفها شريكًا موثوقًا ووجهة جاذبة للاستثمار، فضلًا عن توسيع الفرص المتاحة لصادراتها وشركاتها.

وكان من أبرز نتائجها الملموسة توقيع مذكرة تفاهم بشأن إنشاء مشاورات حول المسائل ذات الاهتمام المشترك بين وزارة الخارجية البيروفية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. وتوفر هذه المذكرة إطارًا مؤسسيًا لحوار سياسي رفيع المستوى، وتتيح استكشاف مجالات جديدة للتعاون مع المجلس ككل.

واكتسبت الزيارة أيضًا قيمة رمزية لتزامنها مع الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الكويت، ومع ترسيخ الحضور الدبلوماسي البيروفي في الخليج، بما في ذلك افتتاح سفارة بيرو في أبوظبي.

غير أن اتباع سياسة خارجية فعالة تجاه الخليج يتطلب أيضًا بُعدًا مؤسسيًا وثقافيًا ديناميكيًا ودائمًا، من خلال تعميق المعرفة بالمنطقة، وفهم ثقافتها وخصوصيتها، وتعزيز القدرات اللغوية اللازمة للتفاعل معها.

وفي نهاية المطاف، هذا هو الدرس المستفاد من إطار «التعددية المركبة» المشار إليه أعلاه: ففي نظام دولي تتسم فيه القيادة بتعدد أبعادها وارتباطها بقضايا محددة، لا تُبنى القدرة على التفاعل من خلال مذكرات التفاهم والصكوك القانونية فحسب، بل كذلك من خلال المعرفة المتراكمة والروابط الإنسانية التي تدعم، بمرور الوقت، العلاقات بين الدول.

 

 

back to top