ندوة «المحامين» ناقشت أبعاد قانون التستر التجاري وتداعياته
قراءة قانونية وفنية للتشريع الجديد... ومطالب بشرح بعض المواد
أكد وزير العدل الأسبق، أستاذ القانون الجزائي في كلية الحقوق بجامعة الكويت، المحامي د. محمد بوزبر، أن «استخدام المشرع الكويتي مصطلح مكافحة في المرسوم بقانون الجديد المتعلق بالتستر التجاري يعكس حجم الظاهرة، وأننا نتعامل مع شيء كبير قياساً على القوانين اللاحقة والسابقة، مثل مكافحة المخدرات والفساد، وبالتالي فإن ثقل هذا القانون ينبع من استخدام كلمة مكافحة».
محمد بوزبر
وأوضح د. بوزبر، في كلمته خلال الجلسة النقاشية التي نظمتها جمعية المحامين الكويتية بعنوان «قانون التستر التجاري... نظرة فنية وتشريعية»، أن «معنى التستر حسب السياق الوارد في هذا القانون تكلم بشكل واضح ومسهب، بأنه أولاً لا يجوز لأي شخص أن يمارس العمل التجاري بدون رخصة، وهذا أمر مفروغ منه في القانون التجاري والتنظيم التجاري، لكن جاء القانون بعد ذلك لبيان أنك بموجب هذه الرخصة التي تحصلت عليها لا تسعى لأن تمكن غيرك ممن لا يستحق ولا يستطيع أن يستخرجها وفق الأطر القانونية المقررة في القوانين، وهو ما يعرف عندنا في الكويت بالتضمين، أو ما نسميه في القانون الكويتي بالتمكين»، أي لا تمكن غيرك من استخدام هذه الرخصة للعمل وجني الأرباح من خلالها، وهذا هو الظاهر لهذا القانون».
بوزبر: يجب استثناء «المحاصة» عبر إضافة نص تشريعي... ومهلة الـ 6 أشهر غير كافية
وأضاف: «بناء على ذلك يوجد شخص مرخص له وهو مواطن بالضرورة، لأن غير المواطنين لا يملكون الصلاحية بالصورة الأولى الطبيعية للترخيص بعيداً عن الاستثمار المباشر الذي يعتبر موضوعاً مختلفاً تماماً، وهناك أيضاً متستر قد يكون أجنبياً وقد يكون كويتياً، حيث ذكرت الصحف أن القانون يشمل الكويتيين، فالموظف الكويتي يستحق أن يستخرج رخصة لكن لا يديرها، وبالتالي فتحت هذه المسألة التساؤلات، ونحن نعلم أن القانون عندما يصدر لابد أن يكون عاماً ومجرداً، لذلك لدينا شخصيتان، ولابد أن هناك مجالاً يمارس فيه هذا النشاط بشكل مستتر».
محمد بوزبر: لا تجوز ممارسة العمل التجاري بدون رخصة... وهذا أمر مفروغ منه
العقوبات المفروضة
وأشار بوزبر إلى أن الشق الذي شد انتباهه وجعله يتحدث في هذا الصدد هو العقوبات الواردة، فغاية هذا القانون أنه يعتبر قانوناً جنائياً تكميلياً يكمل ما ورد في قانون الجزاء، مبدياً احتراماً وتأكيداً لعدم التقصير تجاه القائمين عليه، «مع الإشارة إلى أن هذا القانون طلع فجأة ولم نرَ له مسودة ولا ورقة بيضاء تستشف الآراء قبل صدوره، ومع ذلك طلع القانون بهذه الصورة متكلماً عن عقوبات جدية لا تتجاوز 3 سنوات، أي في إطار الجنح، وعن عقوبات مالية كبيرة بفرضه غرامة تبتدئ من 10 آلاف دينار وتصل إلى 100 ألف».
وأفاد بأن «المشرع الكويتي واصل نهجه الحديث بتضمين القوانين الجزائية مسؤولية الشخص الاعتباري، وهو ما لم نكن نراه في السابق إلا في قوانين غسيل الأموال تحديداً، لكنه بدأ يأخذه على مساحة أكبر في التشريعات الأخرى».
ولفت إلى جانب التحفيز الذي استخدمه القانون، وهو تحفيز الابلاغ، مبيناً أنه نهج جديد للمشرع باعتباره يتكلم بمفهوم «مكافحة»، فكان لابد من أن يعطي فرصة للمجتمع وإشراكه في عملية الإبلاغ وتمكينه من الوصول إلى المخالفين، فرصد مكافأة تصل إلى 10% من قيمة الغرامات المحصلة في حال الإدانة.
وأوضح أن المشرع، بمفهوم المكافحة، يعي تماماً أن الموضوع المناقش جُبل عليه الكويتيون من أزمنة طويلة، وهناك أعداد كبيرة، ولا يخلو بيت من حكاية من هذا النوع، وبالتالي عرف أنه لابد من فسح المجال قبل تطبيق مثل هذا القانون عبر فتح باب التصالح وباب التسويات، سواء قبل تحريك الدعوى أو خلال إقامتها أو قبل صدور الحكم، بشرط الإفصاح عن التستر وماهية المبالغ المتحصلة، ومع التصالح ستفرض عليك عقوبات لن تكون بالمجان بل بقيمة قدرها المشرع كأنها عقوبة إضافية فيما يتعلق بهذا المفهوم، مع عدم استبعاد تطبيق إجراءات إدارية بحق الأجنبي إذا كان هو المتستر على النشاط التجاري.
قضية الإبلاغ
واستعرض بوزبر وجهة نظره في نقاط بسيطة قد يكون القانون أغفلها طواعية أو رغبة منه، أولاها إغفال الشركات ذات الطبيعة المستترة، وهي شركة المحاصة، حيث إن قانون الشركات، سواء القديم في الثمانينيات أو قانون 2016، نص بوضوح على مجموعة من المشاريع ومن الشركات، ومن بينها شركة المحاصة، ومن اسمها يعني أن كل شخص له حصة، وهي شركة ذات طبيعة مستترة لا تأخذ شخصية اعتبارية مستقلة رغم صدور ترخيص لها، متسائلاً: «هل ينسحب هذا القانون على هذا النوع من الشركات المنتشرة واسعاً في الكويت؟».
وأكد أن نص القانون في ديباجته على قانون الشركات يعطي مبرراً بأن المشرع اطلع على كل ما تضمنه قانون الشركات وأخذه بعين الاعتبار، وشبّه شركة المحاصة «كأنها جبل ثلج ظاهر ولكن ما تحته أكبر مما فوقه»، مستغرباً التعامل معها ببساطة دون التطرق إلى مفهومها بشكل واضح وصريح في أمور جنائية، وهل تدخل ضمن التستر المعاقب عليه؟ وشدد على ضرورة إيجاد حل لها باللوائح التنفيذية أو القرارات التي يصدرها وزير التجارة في وقت لاحق.
وتابع: «النقطة الثانية هي قضية الإبلاغ، حيث إن فتح باب الإبلاغ للجميع عن الشركات قد يشكل إشكالية كبيرة ونزاعات على نطاق الأسر والعوائل فيما يتعلق بفض النزاعات العائلية»، مشيراً إلى أن المشرع في قانون الجزاء المادة 132، وقبلها المادة 49 التي ألغيت في المحكمة الدستورية، أعطى إعفاء للوالدين والأقارب من الدرجة الأولى في حال الإخفاء، حرصاً على الأسرة، بينما في هذا القانون فتحها المشرع دون احتساب للكم الهائل من الشركات التي تدار ضمن إطار الشركات العائلية.
قيمة المكافأة
ولفت بوزبر إلى أن قيمة المكافأة 10% من الغرامات تعتبر كبيرة جداً، مقارنة ببدل الإبلاغ في هيئة مكافحة الفساد الذي يترك تحديد نسبته أو مبلغه المقطوع لمجلس الإدارة دون نسبة مكتوبة نصاً، وتساءل: «هل سيتمتع المبلّغ هنا بحماية ومسار آمن كما هو الحال في قانون مكافحة الفساد؟»، وأكد أهمية هذه النقطة لضمان جدية الإبلاغ بأقل كلفة اجتماعية في الشركات العائلية وشركات المحاصة.
وفي النقطة الثالثة رأى د. بوزبر أن «فترة الـ 6 أشهر المقررة لتطبيق القانون وتوفيق الأوضاع غير كافية بنظر رواد السوق، بالنظر إلى كمية الشركات والمستلزمات المطلوبة لإعادة الترتيب، من استخراج رخص وإعادة ترتيب مصرفي وعقود إيجار، وأرى أنها لا تكفي ولا تصل»، مشيراً إلى أن مكافحة شيء كبير يحتاج إلى وقت أطول.
وأردف: «أما النقطة الرابعة عن التداخل مع قوانين مكافحة غسل الأموال فإن المادة 8 تتيح للوزير فتح باب التصالح عند تقديم إفصاح طوعي»، متسائلاً عن تصنيف المتحصلات المالية للنشاط غير المشروع في هذه الحالة، التي قد تدخل في إطار قانون غسيل الأموال باعتبار مصدرها غير مشروع.
وتساءل أيضاً: هل هناك حماية طوعية وحماية إضافية بموجب المادة 8 لمن يفصح، تضمن عدم الرجوع عليه بتهمة إدارة أموال غير مشروعة بعد التصالح والإفصاح؟ ودعا إلى ضرورة وجود وضوح تام في هذه المسألة.
وفي النقطة الخامسة سلّط الضوء على التفريد والتناسب العقابي للمدير الفعلي، مبيناً أن هناك إشكالية تتعلق بالمادة المتعلقة بالإدارة الفعلية، بشأن هل من الممكن أن تعاقب المدير الفعلي بنفس عقوبة المتستر، والحبس 3 سنوات وغرامات تصل إلى 100 ألف في حال الإخلال بمسؤولياته وواجباته.
خريطة طريق
وأبدى بوزبر تخوفه من أن يسحب المتستر المدير الفعلي حتى لو كان حسن النية أو لا يعلم، والمشكلة أن المادة قد تدخله معه في نفس العقوبة المشددة بدعوى الإخلال، وشدد على عدم وجود تناسب بين عقوبة المتستر وبين من تم استدعاؤه للإدارة الفعلية، وهناك مطالبات بأن تكون العقوبة متناسبة مع الأصول المرعية في القوانين الجزائية واشتراط توافر العلم والإرادة والقصد.
وتمنى أن تشهد فترة الأشهر الستة صدور اللوائح التنظيمية مع إعادة النظر في العقوبات ومراعاة التدرج العقابي، وننتظر ما ينجم عنه في التطبيق الفعلي ونراجع الموضوع.
ووضع خريطة طريق لتصحيح المسار، تشمل أولاً: الحلول والبدائل المقترحة، حيث إن العقوبات تتم عبر تعديل المادة 5 لضمان التفريد العقابي، بحيث تتناسب عقوبة المدير الفعلي مع درجة مساهمته وقصده الجنائي، أي التمييز بين العمد والخطأ الإداري، وثانياً: الميناء الآمن عبر إقرار نظام إفصاح طوعي محصن من ملاحقات غسل الأموال وتمديد مهلة توفيق الأوضاع الى سنة كاملة تبدأ من صدور اللائحة التنفيذية، وثالثاً: حماية النسيج الأسري، عبر تقييد نطاق المكافأة المالية في المادة 9 باستثناء الأقارب حتى الدرجة الرابعة لمنع استغلال القانون في تصفية الحسابات العائلية، رابعاً: استثناء المحاصة، عبر إضافة نص تشريعي صريح يستثني شركات المحاصة والتنظيمات العائلية المغلقة من نطاق التجريم المطلق احتراماً لطبيعتها القانونية.
فلسفة القانون
من جهته، قال رئيس قسم الاقتصاد في «الجريدة»، محمد البغلي، إن أي تشريع جديد يجب أن تكون له فلسفة معينة، أي مقاصد وأهداف ونتائج، وإذا كان هذا القانون اقتصادياً يجب أن يكون من أهدافه معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الكويتي من حيث مثلاً معالجته اختلال سوق العمل بفتح وظائف وأعمال ومشاريع صغيرة تشجع على العمل خارج الوظيفة الحكومية التي باتت ترهق ميزانية الدولة وتضيع جهود الشباب الكويتيين وابتكاراتهم ومبادراتهم ببيروقراطية وبطالة مقنعة تتجاوز 83 في المئة في الوظيفة الحكومية.
محمد البغلي
وأضاف البغلي أنه من المهم أن يخلق القانون ذو الطبيعة الاقتصادية أعمالاً وخدمات ترفع من حجم الناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ حجم المشاريع الصغيرة والمتوسطة فيه دون الـ 3%، ولو قسنا هذا الوزن على المتفرغين فعلياً فقد لا يصل إلى نصف في المئة من حجم الاقتصاد، فضلاً عما إذا كان القانون يرفد الخزينة العامة بإيرادات مالية غير نفطية كالرسوم أو حتى الضريبة لاحقاً، أو يوفر تكنولوجيا أو يجذب استثماراً أجنبياً أو يحفز استثماراً محلياً.
البغلي: معالجة السبب لا النتيجة ووجود محفزات في القوانين وليس عقوبات فقط... يرفعان كفاءة المشهد الاقتصادي
وشدد على أنه عند معالجة أي قانون للاختلالات الهيكلية يمكن التنبؤ بما إذا كان القانون حتى قبل تطبيقه مفيداً للاقتصاد من عدمه؛ لأن النجاح في أي مشروع أو قانون أو إجراء اقتصادي مقترن بمدى معالجاته للاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الكويتي.
وأضاف البغلي أن الأمر الآخر المرتبط بهذا القانون متعلق بتوقيته، فخلال الأزمات والحروب، كتلك التي نشهدها على الساحة الإقليمية من توتر جيوسياسي واعتداءات إيرانية على دول مجلس التعاون وإغلاق مضيق هرمز وتأثر حركة الإمدادات والتجارة، تكون السياسات الاقتصادية تيسيرية، لذلك تجد تغييراً في القرارات في العديد من الدول خلال فترات الأزمات والحروب وحتى في الأوضاع المتوترة من تساهل في الإقراض للأعمال التجارية وتأجيل للسداد والإيجارات وتساهل مع الأنشطة بل ومرونة في تغيير الأغراض من كماليات إلى ما يحتاج السوق من سلع ومنتجات استهلاكية وصناعية وغيرها، ويغض الطرف أحياناً عن مخالفات عادية أو إدارية تتعلق مثلاً بالعمالة أو بالرخص وغيرها، وهذا لا يعني أبداً التسامح مع المخالفات الجسيمة كالاحتكار أو الغش التجاري أو الاتجار بالبشر.
محمد البغلي: جودة أي قانون اقتصادي في مدى معالجته للاختلالات الهيكلية
وبيّن البغلي أن الأولوية في الظروف الحالية، خصوصاً مع صدمة الإمدادات التي ترتبت على إغلاق حركة المرور في مضيق هرمز هي توفير السلع والمنتجات في السوق، إذ لا بد أن تدور العجلة الاقتصادية أو التجارية، بالتالي من الطبيعي أنها تحتاج إلى مرونة وتكييف مع الأوضاع المستجدة، مشيراً إلى أن التعامل المرن مع احتياجات السوق لا يعني القبول بالخطأ، بل تيسير الحركة التجارية واختيار التوقيت الملائم للتطبيق.
واعتبر البغلي أن الحديث عن أهمية قانون مكافحة التستر التجاري لرفع تصنيف الكويت لدى مجموعة العمل المالي (FATF)، حيث يربك التضمين المشهد الرقابي في التعامل مع الشخص الحقيقي من النشاط، هو حديث سليم، لكنه يدفعنا إلى التعامل مع السبب وليس النتيجة، والسبب هنا هو صعوبة وصول بعض الفئات إلى السوق أي ممارسة العمل التجاري المباشر والكامل مثل الوافدين أو الكويتيين من موظفي القطاع العام.
وقال إن معالجة السبب هي الأصل لمزيد من شفافية التعاملات في السوق وهو ما يتطلب أن يفتح المجال للمقيم لممارسة العمل التجاري دون حاجة للشراكة، خصوصاً أن قانون الاستثمار الأجنبي يتيح للأجنبي خارج الكويت تملك شركة بنسبة 100 في المئة، أما قانون الشركات الكويتي فيحدد للمقيم في البلاد نسبة 49 في المئة كحد أقصى للملكية، وهنا تكمن قصص التضمين.
وأضاف أن التضمين يرتبط أيضاً بالمواطن الكويتي، وهو الموظف الحكومي الذي لا يجد في بيئة الأعمال الصعبة من إيجارات مرتفعة وتمويلات صعبة وبيروقراطية متجذرة أي محفزات تجعله يترك العمل الحكومي ليتجه إلى العمل الحر.
وشدد على أن معالجة السبب لا النتيجة ووجود محفزات في القوانين وليس فقط عقوبات هي ما يرفع من كفاءة المشهد الاقتصادي، معتبراً أن المسجلين على الباب الخامس أي أصحاب الأعمال هم أكثر من تعرض لصدمات في نشاطهم التجاري من جهة تداعيات أزمة «كورونا»، وصولاً إلى الحرب الإقليمية في المنطقة، وللأسف معظم الأنشطة والفرص تطرح لشركات كبيرة ولا تصل إلى المبادرين في الأعمال الصغيرة والمتوسطة، سواء كانت أسواقاً أو أراضي للدولة.
وأكد ضرورة وجود توضيح حاسم لبيان الفرق بين أعمال التضمين المخالفة في قانون التستر التجاري وشركات المحاصة التي يجيزها قانون الشركات التجارية حتى لا يقع الملتزم بقانون تحت طائلة عقوبات قانون آخر، مبيناً أن الكثير من سلع قطع الغيار والإطارات والأغذية وغيرها هي شركات محاصة من المهم بيان مدى قانونية أعمالها وفق القانون الجديد.
وطالب بضرورة وجود آلية تحمي ممارسي الأعمال التجارية من احتمالية البلاغات الكيدية، إذ من الضروري أن يطمئن كل مَن له نشاط تجاري أو شراكة أو علاقة مع الآخرين، سواء كانوا مواطنين أو وافدين، من ألا يؤدي البند الخاص بمنح مكافأة مالية تصل إلى 10 في المئة للمبلّغين عن جرائم التستر التجاري إلى شيوع البلاغات الكيدية بين المتنافسين أو أصحاب الخلافات التجارية أو ربما الشخصية، حيث من المفترض وجود آلية تمنع بل وتعاقب أصحاب البلاغات الكيدية وكذلك توضيح مدى انطباق قانون التستر التجاري على أصحاب المهن التي لديها قوانين خاصة كالمهندسين والأطباء والمحامين وغيرهم.
ودعا البغلي وزير التجارة والصناعة مع فريقه القانوني والفني إلى عقد لقاءات شفافة ومفتوحة لشرح قانون مكافحة التستر التجاري وبيان من ينطبق عليهم وأبعاده وكيفية تحاشي الوقوع في مخالفاته وآليات توفيق الأوضاع، فضلاً عن بيان تعامل الوزارة مع الأبعاد الاقتصادية والتجارية المحتملة عند تطبيق القانون الجديد، خصوصاً على الكيانات التي تقدم الخدمات البسيطة، كالسباكة والحدادة وتصليح السيارات أو ارتفاع أسعار العمالة أو غيرها، مؤكداً أهمية نشر المسودات قبل إقرار أي قانون لنقاشها من المختصين وإبداء الآراء والملاحظات بشأنها بما يسهم في رفع جودتها.
من جانبه، أيّد نائب مدير الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة السابق، م. فارس العنزي، بشدة، إصدار القانون ورفع الراية، قائلاً: إننا تأخرنا كثيراً في إجراء تعديلات اقتصادية، لكنني دائماً متفائل، وكما تقول الحكمة «أن تأتي متأخراً أفضل من ألا تأتي أبداً».
فارس العنزي
وأضاف أنه مما لا شك فيه أن التستر التجاري أو سوق التضمين بالباطن يشكّل خطراً كبيراً ويهدد كثيراً من رواد الأعمال وأصحاب المبادرات والمهتمين بالدخول في المجال التجاري، لأنّ الوضع لدينا في الكويت تحديدا هو وضع مشوّه ووضعية ضارة وغير موجودة في أكثر الدول الاقتصادية.
العنزي: القانون يعد فرصة كبيرة للشباب الكويتيين ليدخلوا اليوم في سوق العمل
وقال إنه لكي تكون الصورة واضحة أكثر، فإنه من غير المنطقي أن تسيطر جنسية واحدة معيّنة على أنشطة تجارية موجودة.
وأفاد بأنه «لا شك في أن هناك تراكمات سلبية أعتقد أنها فوق 40 سنة، لكن صدر تشريع يترك المرحلة السابقة ويقدّم الأفضل».
ولفت الى أن واقع النشاط التجاري والوضع الاقتصادي اليوم مهم جداً، ويجب أن تترك هذه الأرقام المهولة، ودعونا نتحدث بلغة الأرقام، لأنها واضحة، من 300 إلى 400 ألف كويتي، ونسبة الكويتيين العاملين من هذا الرقم بالقطاع الحكومي تبلغ 90 بالمئة، بينما نسبة الكويتيين العاملين في القطاع الخاص بكل أنواعه لا تزيد على 4 بالمئة.
فارس العنزي: التستر التجاري «التضمين» يشكّل خطراً كبيراً ويهدد كثيراً من رواد الأعمال
واعتبر أنه «مع هذا القانون هناك فرصة كبيرة للشباب الكويتيين ليدخلوا اليوم في سوق العمل، فكثير من رواد الأعمال أحبوا أن يدخلوا في بعض الأنشطة ولم يستطيعوا، لأن هناك جنسيات مسيطرة».
وأضاف: لكن أعتقد أن هذا القانون سيساهم مساهمة كبيرة في توفير فرص عمل وسوق حقيقية، لأنّ الوضع الحالي خاطئ، وغير صحيح أن نسميه «متسترا»، وهناك دول خليجية سبقتنا في هذا الموضوع، والحمد لله أن هذا الموضوع صدر، لأنه سيخلق فرصاً للجادين.
تحقيق التوازن
بدوره، قال عضو مجلس إدارة الجمعية الكويتية للدفاع عن المال العام، المحامي نافع المطيري، إن المشرّع تدخّل بسنّ تشريعات ومواد وقوانين مكافحة التستر التجاري، وذلك رغبة منه في حماية هيكل الاقتصاد الوطني وصونه، ومواجهة ومكافحة ظاهرة قديمة شائكة امتدت لأكثر من 50 عاما، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة تحقيق التوازن بين الرقابة وحرية القطاع المصرفي الذي يمثّل الشريان الأساسي للقطاع الاقتصادي.
نافع المطيري
وذكر المطيري أن البنوك تعد المحرّك الأكبر للاقتصاد من خلال التسهيلات الائتمانية والتجارية التي لا يستغنى عنها أي متجر أو مشروع، وهي تقدم القروض والضمانات، ما يُعد قياساً للاقتصاد الوطني عبر البنوك.
وبيّن أن البنك هو الشريان الأكبر في هذا الموضوع، حيث يقدّم كثيراً من الأمور التي لا يستغني عنها المتجر، بل قد لا تقوم لهذا المتجر قائمة من دون دخول البنك، فضلا عن التدفقات النقدية والحفاظ على الأموال وقياس الاقتصاد الوطني عبر البنوك، ولذلك أفرد لها المشرّع الكثير من التشريعات والقرارات التي قد تتجاوز الآلاف، من أجل صون هذه المسألة.
نافع المطيري: ضرورة تحقيق التوازن بين الرقابة وحرية القطاع المصرفي
وأشار إلى أن هناك التزاماً مقابل هذا القانون من قبل البنوك التجارية، حيث لديهم التزام إيجابي يتمثّل في أنها قبل تقديم مثل هذه الخدمات المصرفية تبدأ بتمحيص والبحث عن وجود جريمة تستُّر، إذ يقع على عاتقها ذلك من خلال ما يُقدّم لها من أوراق ونشاطات وطلبات للتسهيلات المصرفية وغيره، خاصة أنها تقدّم الكثير من هذه المسائل؛ مثل السحب على المكشوف وخطابات الضمان وعقود التسهيلات التي هي القروض الاستهلاكية التي أخذت شكلاً تجارياً، فيجب ويقع على عاتق البنك هذه المسؤولية بأن يفحص ويبحث في هذه الأوراق وما إن كان بها جريمة تستُّر أم لا.
وتساءل عمّا إذا كانت هذه الأموال متحصلة من قروض أو من تسهيلات ائتمانية من البنك، فقد تلقي هذه التشريعات بظلالها، حيث يمكن لجهة التحقيق أو للحكومة أو للشخص المسؤول عن إنفاذ هذا القانون مصادرة هذا المال، متسائلاً: ما موقف البنك إذا كان رأس المال الذي أعطاه لهذا المستثمر قد تم سحبه؟
وتطرّق إلى مسألة أخرى؛ حيث يمكن لجهة الإدارة أو المسؤول عن هذا القانون أن يستولي أو يصادر ما ترتّب على هذا القانون من أرباح للقرض، فيحدث اختلاط بين المال المُقدّم من البنك والأرباح، وبالتالي يذهب ما قدّمه البنك إلى هذا المستثمر.
وقال المطيري: يمكن لجهة إنفاذ القانون أن تصادر الأجهزة والآلات وجميع ما يتحصل عليه المتجر من وسائل يقوم بها في هذا العمل التجاري، فإن كانت هناك ديون على هذه الأجهزة، أو كانت هناك أسهم، فيمكن الحصول عليها، وتكون هذه إحدى المفردات التي تقوم عليها المصادرة من قبل رجل الضبط القضائي.
المطيري: أي متجر أو مشروع لا يستغني عن القروض والضمانات
وهناك مسألة قد تكون الأخطر، وهي أن إحدى نتائج العقوبات التكميلية هي إغلاق هذا المتجر، فإذا أغلقناه، فما الضمانة لوجود تدفقات نقدية له حتى يقوم باستعادة أموال البنك؟
وإضافة إلى ذلك، فإن البنك كمؤسسة أو كشخص اعتباري مخاطب بهذا القانون، وأفرد له المشرّع عقوبات، إضافة إلى أن المدير أو رئيس مجلس الإدارة أو المدير التنفيذي المسؤول عن الفرع مُخاطب، وقد تكون هناك عقوبات.
والمحصلة النهائية لهذه النقطة التي ذكرتها هي أن المال عصب الحياة، فإذا كان هذا المال يواجه تلك العقبات في تدفّقه، فإن كثيراً من المستثمرين قد يحجمون عن إيداع هذه الأموال في مؤسسة اقتصادية، مثل البنوك والمصارف، لأنه سيكون هناك انخفاض في قيمة الأرباح وفي التدفقات، وجزء من رؤوس الأموال وقع عليه هذا القانون، وبالتالي سُحبت وخرجت من السوق ودخلت خزينة الدولة.