بقايا خيال: أيها الكويتيون... لا تَمنُّوا على الكويت وطنيتكم

نشر في 24-08-2026
آخر تحديث 23-08-2026 | 19:19
 يوسف عبدالكريم الزنكوي

مع بداية ثمانينيات القرن المنصرم، وحين لم نكن نعرف لا تليفونات ذكية ولا إنترنت ولا وسائل تواصل اجتماعي، كان بائع الجرائد الفلسطيني (أبو سمير) يفترش أرضية المدخل الخلفي للبنك التجاري الكويتي، ليبيع الصحف والمجلات على موظفي البنك.

سألته ذات يوم عن عمْر ابنه سمير، فأجاب أنه بلغ 19 عاماً، وأنه يدرس في الولايات المتحدة الأميركية على نفقته التي يتحصّلها من إيرادات بيع الجرائد والصحف، حينها حمدت الله كثيراً على العز الذي يعيشه الكويتيون.

وإنما أذكر عزّ الكويت ذلك لأن جيلَي الأربعينيات والخمسينيات من الكويتيين تمتّع بخيرات الكويت الحقيقية التي لم يعشها غيرهم من الكويتيين لا من قبل ولا من بعد.

فالفترة الممتدة من 1955 حتى 1965 تُعدّ من أجمل سنوات الدراسة لمن وُلد في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، فهي حقبة تكفلت خلالها الدولة بكل مستلزمات الدراسة لكل أبناء الكويت وبناتها بجميع المراحل الدراسية. فمن الأمور الجميلة التي نتذكرها اليوم، نحن جيل الأربعينيات والخمسينيات، بكل تفاصيلها الجميلة، سالفة توزيع الكتب والدفاتر والكشاكيل المدرسية. فمنذ اليوم الأول من الدراسة يخرج كل فصل في طابور منظم نحو قاعة الألعاب أو صالة المطعم لكي يتسلّم كل طالب رزمة من الكتب والدفاتر والكشاكيل. وبعدها بأيام يخرج كل فصل مرة أخرى في طابور نحو إحدى الغرف التي خُصصت لخياطين هنود ليأخذوا قياسات قميصين وبنطلونين وبالطو واحد لكل تلميذ وطالب كويتي بكل المراحل الدراسية. ولا يمُرّ أسبوع حتى يخرج الطلبة للمرة الثالثة في طابور طويل نحو صالة من صالات المدرسة، حيث رصت أكداس من الأحذية (اللندنية)، التي تفوح منها رائحة الجلد الأصلي في كل دهاليز المدرسة، لتوزع على كل طالب بالمجان.

أنا أتحدث بكل فخر عن العزّ الذي عشناه منذ سنوات الدراسة الأولى حتى لحظة تخرُّجنا في الجامعة، بل وحتى بعد نيلنا درجة الدراسات العليا، لأننا لم ننفق فلساً واحداً في سبيل إكمال تحصيلنا العلمي. وحتى في سعينا نحو التوظيف لم نتعب في الحصول على الوظيفة المناسبة لاستكمال أسباب العيش الكريم في ديرة الرخاء الحاتمي. 

هذا العز غير المسبوق حمَّلْنَا مسؤوليات مضاعفة لزيادة جرعات العمل لخدمة الديرة من أجل ردّ ولو جزء من جمايل الكويت علينا. حتى خدمتنا لوطننا لم تكن بلا مقابل أو «ببلاش»، وفوق هذا وذاك لطالما طالبنا بزيادة الراتب أو الترقية، وكأننا ما نستحي ونقول: «ماكو عمل بلا مقابل». 

وبعد كل هذا يأتي أحد الكويتيين ويقول إحنا خدمنا الديرة.. لا.. أنت تسكت.. أنت لم تخدم الديرة «ببلاش»، بل أنت لم تسدد حتى 5 بالمئة من تكاليف تحصيلك العلمي، فضلاً عن كفنك وحفر قبرك ودفنك «ببلاش». الوحيدون الذين يستحقون أن نقول لهم إنهم خدموا الكويت بالفعل هم جنودنا البواسل الذين يصدّون عنا المسيّرات والصواريخ الباليستية كل يوم، ومنهم مَن قضى نحبه ومنهم مَن ينتظر، وما بدّلوا عشقهم لوطنهم تبديلاً. 

وهناك رجال الحرس الوطني والشرطة والمطافئ، الذين يواصلون الليل مع النهار لتوفير الأمن والأمان لكل من يعيش في الكويت، فضلا عن الكادر الطبي الذي يقف على الخطوط الخلفية لدعم جهود كل من يعيش على هذه الأرض. لهذا نقول: ما قيمة البدلات المادية، حتى لو كانت بالآلاف مقابل حياة كل هؤلاء وأرواحهم التي وضعوها على كفّ عفريت للدفاع عن الوطن؟!

back to top