وجهة نظر: اقتصاد أكثر تنظيماً... لكن هل يصبح أكثر سهولة؟

نشر في 24-08-2026
آخر تحديث 23-08-2026 | 21:57
 إبراهيم الكندري

تخيّل صاحب مشروع بدأ عمله قبل سنوات بطريقة بسيطة، لديه ترخيص، حسابات، مورّدون، عملاء، وربما صفحة على وسائل التواصل يعرض من خلالها منتجاته، لا يعمل خارج القانون، لكنّه يعمل داخل مساحة رمادية اعتدنا، في الكويت، أن تكون واسعة ما بين النص والممارسة.

ثم، خلال فترة قصيرة نسبياً، بدأ يسمع عن قوانين وتنظيمات جديدة، التجارة الرقمية، مكافحة التستر، المستفيد الفعلي، تحديث قانون الشركات، القضاء الاقتصادي، تنظيم سوق العمل، وتطوير أدوات التمويل والسيولة.

من جهة، هو قد يدرك أن السوق لا يمكن أن يبقى فوضويا كما كان، ومن جهة أخرى، يسأل نفسه، هل ستجعل هذه القوانين عملي أوضح وأكثر ثقة؟ أم ستضيف مجموعة جديدة من الإجراءات لن أعرف كيف أتعامل معها؟

هذا السؤال لا يخص صاحب المشروع الصغير وحده، إنه سؤال يخص الشركات الكبرى، المستثمرين، البنوك، الجهات الحكومية، وحتى المستهلكين، هل نحن نبني اقتصاداً أكثر تنظيماً فقط، أم اقتصاداً أكثر تنظيماً وأسهل في الوقت نفسه؟

الحاجة إلى التنظيم

لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو إذا بقيت قواعده غامضة، المستثمر لا يخاف من القواعد الواضحة بقدر ما يخاف من المفاجآت، والشركة لا تتضرر من الالتزام إذا كان مفهوماً، بقدر ما تتضرر من اختلاف التفسير بين جهة وأخرى.

لذلك، فإن موجة التعديلات القانونية والتنظيمية التي تشهدها الكويت ليست أمراً عابراً، هي محاولة لإعادة ترتيب قواعد السوق بعد سنوات طويلة تراكمت فيها ممارسات غير واضحة، سواء من خلال مشاريع تعمل بواجهات لا تعكس أصحابها الحقيقيين، أو تجارة رقمية تنمو أسرع من القوانين، شركات تحتاج إلى حوكمة أكثر وضوحاً، ومنازعات اقتصادية تحتاج إلى مسار أسرع وأكثر تخصصاً.

بهذا المعنى، فإن التنظيم ليس خصماً للاقتصاد، بل هو شرط من شروط نموه، فالسوق غير المنظم قد يبدو سهلاً في البداية، لكنّه غالباً يكون أقل عدالة، وأقل قدرة على جذب الاستثمار الجاد، وأكثر عرضة للممارسات التي تضر بالمنافسة والثقة.

التنظيم ليس هدفاً في ذاته

المشكلة لا تبدأ عندما تصدر القوانين، بل عندما تتحول القوانين إلى غاية بذاتها، فالاقتصاد لا يتحسّن لأن عدد القوانين زاد، بل لأنه أصبح أكثر وضوحاً، وأسرع، وأكثر قابلية للتوقع.

الإصلاح القانوني الجيد لا يكتفي بأن يقول للناس ما الممنوع، عليه أيضاً أن يساعدهم على معرفة كيف يعملون بشكل صحيح.

هنا تظهر أهمية اللوائح التنفيذية، الأدلة الإرشادية، الفترات الانتقالية، وتوحيد تفسير النصوص بين الجهات، فصاحب المشروع لا يحتاج فقط إلى معرفة أن هناك التزاماً جديداً، بل يحتاج إلى أن يفهم ماذا يعني ذلك وتأثيره على عمله اليومي، ما المطلوب؟ من أين يبدأ؟ كم سيكلفه الالتزام؟ وما الجهة التي تجيب عن أسئلته؟

إذا لم تكن هذه الإجابات واضحة، فقد ننتقل من اقتصاد أقل تنظيماً إلى اقتصاد أكثر تعقيداً، لا أكثر كفاءة.

الفرق بين التنظيم والتعقيد

هناك فرق كبير بين اقتصاد منظم واقتصاد معقّد، فالاقتصاد المنظم هو اقتصاد يعرف فيه المستثمر ماذا يحتاج، وأين يذهب، وكم تستغرق المعاملة، وما المعايير التي سيُحاسب على أساسها، أما الاقتصاد المعقد فتتعدد فيه الجهات، وتتداخل المتطلبات، وتختلف التفسيرات، ويصبح الالتزام نفسه بحاجة إلى وسطاء ومراجعات طويلة.

سهولة الأعمال لا تعني غياب الرقابة، بل تعني أن الطريق واضح أمام من يريد الالتزام.

وهذا هو الاختبار الحقيقي في الكويت اليوم، هل ستصبح القواعد الجديدة جسراً نحو سوق أكثر شفافية؟ أم ستتحول إلى ممرات متفرقة، كل منها يحتاج إلى تفسير ومتابعة واستثناء؟

المشاريع الصغيرة تحت الضغط

الشركات الكبرى تستطيع غالباً التعامل مع التنظيم الجديد، لديها إدارات قانونية، محاسبون، مستشارون، وأنظمة داخلية، أما المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فهي الأكثر تأثّراً بأي موجة امتثال جديدة.

قد لا يعارض صاحب مشروع صغير التنظيم، لكنه قد لا يملك القدرة على فهم كل التفاصيل وحده، وقد يجد نفسه مضطراً إلى تحمُّل كلفة محاسب، أو مستشار، أو نظام إلكتروني، أو تعديل عقود، أو إعادة ترتيب هيكل ملكية لم يكن مصمماً من البداية بصورة صحيحة.

وهنا يجب أن ننتبه، فالتنظيم الذي لا يراعي حجم المشروع قد يحمي السوق من الفوضى، لكنه قد يضغط أيضاً على مشاريع قابلة للنمو.

لا يعني ذلك التساهل مع المخالفات، ولا قبول التستر أو الغموض، لكنه يعني أن تطبيق القوانين الجديدة يحتاج إلى مسار يساعد المشاريع الجادة على تصحيح أوضاعها، بدلاً من دفعها إلى الخروج من السوق لمجرّد أنها لم تكن مستعدة إدارياً.

المستثمر لا يخاف من القانون الواضح

بالنسبة للشركات الكبرى والمستثمرين، قد تكون هذه التعديلات فرصة مهمة، فوجود قضاء اقتصادي متخصص، وتحديث قواعد الشركات، وتنظيم التجارة الرقمية، وتطوير أدوات التمويل، كلها عناصر يمكن أن ترفع ثقة المستثمر إذا نُفّذت بصورة متماسكة.

المستثمر لا يبحث عن سوق بلا رقابة، بل يبحث عن سوق يعرف كيف تعمل فيه الرقابة، فهو يريد أن يعرف أن العقد قابل للإنفاذ، وأن المنازعة لن تستغرق سنوات طويلة، وأن الشريك لا يستطيع الإضرار بحقوقه دون مساءلة، وأن القواعد لا تتغير فجأة في التطبيق، وأن الجهة الحكومية لا تفسر النص بطريقة مختلفة من يوم إلى آخر.

لذلك، فإن قوة البيئة الاستثمارية لا تأتي فقط من صدور قوانين حديثة، بل من قدرة المؤسسات على تطبيقها بعدالة واتساق.

التنفيذ هو الاختبار الحقيقي

يمكن إصدار قانون في يوم، لكن بناء القدرة على تطبيقه يحتاج إلى وقت أطول، يحتاج إلى موظفين مدربين، وأنظمة رقمية فعالة، وقنوات واضحة للتظلم، وتواصل مستمر مع السوق.

في كثير من الأحيان، لا يفشل القانون لأنه سيئ في نصه، بل لأنه يدخل إلى بيئة تنفيذ غير مستعدة له، فتبدأ الاجتهادات، وتكثر الأسئلة، ويصبح كل طرف ينتظر تفسيراً رسمياً أو غير رسمي قبل أن يتحرك.

لذلك، فإن نجاح هذه المرحلة التشريعية في الكويت لن يقاس بعدد القوانين الصادرة، بل بقدرة الجهات المعنية على جعل الامتثال مفهوماً، ممكناً، وغير مرهق لمن يريد العمل بصورة صحيحة.

فرصة لترتيب البيت الداخلي

رغم كل هذه المخاوف، فإن موجة التنظيم الجديدة قد تكون فرصة مهمة للشركات الجادة.

فكثير من الشركات تحتاج فعلاً إلى أن تسأل نفسها، هل سجلاتنا واضحة؟ هل نعرف المستفيد الفعلي؟ هل عقودنا سليمة؟ هل تجارتنا الرقمية منظمة؟ هل بيانات عملائنا محمية؟ هل علاقات العمل لدينا متوافقة مع القانون؟ وهل نملك حوكمة تناسب حجمنا وطموحنا؟

كل موجة تنظيمية هي دعوة للشركات لترتيب بيتها الداخلي، والشركات التي تفعل ذلك مبكراً قد تجد نفسها أقوى وأكثر قدرة على النمو من تلك التي تنتظر حتى يتحول التنظيم إلى مخالفة أو عقوبة.

اقتصاد منظم وسهل الحركة

لا تحتاج الكويت إلى اقتصاد بلا قواعد، ولا إلى اقتصاد يختنق بالقواعد، تحتاج إلى اقتصاد يعرف فيه الملتزم كيف يلتزم، ويعرف فيه المستثمر كيف يدخل، ويعرف فيه صاحب المشروع كيف يصحح وضعه، وتعرف فيه الجهة الحكومية كيف تطبّق القانون دون أن تعطل النشاط.

ما يحدث اليوم قد يكون بداية مهمة لإعادة بناء قواعد السوق، لكن النجاح الحقيقي لن يكون في أن يصبح الاقتصاد أكثر تنظيماً فقط، بل في أن يصبح أكثر وضوحاً وسهولة وعدالة.

يجب ألا يكون السؤال الذي يرافق كل قانون جديد، هل أضفنا تنظيماً آخر؟

ولكن السؤال الأهم يجب أن يكون «هل جعلنا ممارسة الأعمال في الكويت أوضح وأسهل لمن يريد أن يعمل بشكل صحيح»؟

* الشريك المدير

(دوتسلينك للاستشارات)

back to top