داء الفشخرة!
داء الثراء مرض اجتماعي لا يصيب الجسد، بل يصيب الصورة التي نصرّ على رسمها أمام الآخرين.
نشتكي كثيراً حين نسافر من الصورة النمطية عن الخليجي: ما إن تُعرف هويته حتى ترتفع التوقعات، وأحياناً الأسعار، وكأنه قادم من عالم لا يعرف الأقساط ولا الالتزامات ولا نهاية الشهر.
لكن قبل أن نلوم الآخرين، ربما علينا أن نسأل أنفسنا: من رسم هذه الصورة أولاً؟ نحن مجتمعات تحب الجمال والكرم وحسن المظهر، وهذه في أصلها صفات جميلة. المشكلة تبدأ حين يتحول «الجميل» إلى واجب اجتماعي، وحين يصبح العادي شيئاً نخجل منه.
لم تعد المناسبة أحياناً مناسبة لنفرح، بل مسرحاً علينا أن نُبهر فيه الآخرين. استقبال مولود قد يتحول من لحظة عائلية دافئة إلى مشروع متكامل من الزهور والهدايا والضيافة والتصوير والتنسيق، وكأن الطفل لن يُستقبل بالحب ما لم يُستقبل بفاتورة كبيرة. والعروس قد تبدأ حياتها الزوجية وهي تحمل عبء ليلة واحدة، قاعة يجب أن تكون أفخم، وفستان يجب أن يكون أغلى، وزهور أكثر، وتصوير أكبر، لأن هناك دائماً من تزوجت قبلها، وهناك من سيقارن بعدها.
حتى السفر، الذي يفترض أن يكون راحة واكتشافاً، أصبح لدى البعض امتحاناً اجتماعياً آخر: أين سافرنا؟ أين أقمنا؟ ماذا ارتدينا؟ وفي أي مطعم التقطنا الصورة؟ وقد يعود الإنسان من إجازته محمّلاً بذكريات جميلة... وبأقساط أجمل منها عمراً!
ثم تأتي القروض لتسدّ المسافة بين ما نستطيع أن نعيشه وما نريد للناس أن يعتقدوا أننا نعيشه.
سيارة أكبر من الحاجة، حفل أكبر من الإمكانية، حقيبة تساوي راتباً، وسفر يحتاج شهوراً من السداد. ليس لأن الإنسان يملك دائماً، بل لأنه يخشى أحياناً أن يبدو وكأنه لا يملك.
وهنا تكمن خطورة «الفشخرة» فحين نكرر هذه الصورة طويلاً، يصدقها الآخرون. يرانا العالم من الخارج فيظن أننا جميعاً أثرياء، ثم نفاجأ حين تُبنى على هذا الانطباع أحكام غير عادلة، حتى إن بعض أصحاب العمل قد ينظر إلى الموظف الكويتي وكأن الراتب العادل ليس أولوية بالنسبة إليه، لأنه (مدعوم من الدولة)، أو لأن سيارته وملابسه توحيان أنه غير محتاج!
ولا أحد يرى القرض خلف السيارة، ولا الأقساط خلف الرحلة، ولا القلق خلف الصورة الجميلة. لقد بالغنا في تلميع الواجهة، حتى صدّق الآخرون أن الواجهة هي البيت كله.
نحن لسنا مجتمعاً فقيراً، بالتأكيد، لكننا أيضاً لسنا شعب أسطوريا وُلد في بركة نفط، وينام على أكوام الذهب، ولا يعرف معنى الالتزام المالي. نحن ببساطة مجتمع يحب الحياة الجميلة، والكرم، والأناقة، وإكرام الضيف. لكن بين حب الجمال والخوف من أن نبدو أقل من الآخرين فارق كبير. المشكلة ليست في اصرارنا على الجمال، بل أن نستدين لنُثبت شيئاً لأشخاص لن يسددوا معنا القرض.
همسة أخيرة... ربما حان الوقت لأن نعيش دون تكلف! وإدراك أن الثراء الحقيقي أن تعيش حياة تشبهك، وبقدر إمكاناتك، دون أن تشعر أنك مطالب بتقديم كشف حساب اجتماعي يثبت قيمتك.
فالهيبة لا تُشترى، والكرامة لا تحمل علامة تجارية، وقيمة الإنسان لا تظهر في فاتورة عرس، ولا درجة تذكرة سفر، ولا نوع السيارة التي يقودها. أما السلام... فيبدأ يوم نتوقف عن تمويل الصورة، ونبدأ في عيش الحقيقة واللحظة بكل جوارحنا.