شوشرة: بين السحاب

نشر في 21-08-2026
آخر تحديث 20-08-2026 | 20:09
 د. مبارك عبدالهادي

ممر طويل تتسابق له الخطوات فتحلّق على ارتفاع آلاف الكيلومترات مع تسارع النبضات التي تسبقها ابتسامة عريضة تزول معها كل الأفكار والتجاذبات، حتى تصبح بين السحاب مع غيمة تدغدغ الأفكار لتسبح في بحر من الذكريات لإعادة المصنع الذي فقد بوصلته بين الأحلام والأوهام، هنا يعلن كابتن الطائرة عن ربط الأحزمة، تمهيدا للهبوط التدريجي، الذي ما إن تحطّ العجلات على ذلك المدرج الممزوج بين النسمات حتى تستشعر بتلك النفحات التي تلامس الهموم وتزيل الترسبات تفتح معها الأبواب المغلقة، لتنطلق الأقدام بلا توقُّف، وهي تسابق الريح من شدة الفرح، بعد أن نفضت الغبار المتراكم بسبب سوء الأيام وترك كل الآثار الى الخلف والانشغال بالنفس بعيدا عن صداع تلك الأصوات المزعجة وثرثرة الغوغائيين الذين يعتاشون حولنا، فمن يشتري لنفسه ممرا للسعادة؟

تنطلق بين شوارع مدينة هادئة دون عناء التفكير بهجرة النفس والحوارات المتواصلة بين الحين والآخر بسبب الأحداث المتجددة وغير المنتهية والمفاجآت غير المتوقعة التي قد تسبّب الصدمات لمن ليست لديهم القدرة على المواجهة، لأنهم اعتادوا العيش بسلام، بينما مَن يحيطون بهم يعيشون على التوترات والاضطرابات، فالرحلة مع النفس تجدد معها العديد من الأمور التي كانت مفقودة ومهجورة، ولا يشعر بها البعض لأسباب متعددة، فهناك من يرغب في خوض التجربة وحيدا، ولكنه لن يكون قادرا على الاستمرار في رحلته التي قد تكون طارئة، بينما في حقيقة الحال أن الهروب من صحبة الأغبياء أفضل بكثير وغيرهم من التعساء الذين يجلبون كآبتهم معهم أينما تواجدوا، لينشروها لكل من حولهم، فالهروب من هؤلاء وأمثالهم أفضل من اصطحابهم، ومَن يعتقد أن الوحدة في الرحلة والسفر ستنعكس سلبا هو مخطئ، ولا يعي جيدا أهمية أن تكون بعيدا عن كل السفهاء، هناك بعض الدراسات تؤكد أهمية العمل على معالجة النفس والتصدي للصدمات أولا فأولا، خاصة أن ممر السعادة هو أهم المصادر العلاجية لمحو المعاناة التي تحُط فجأة من دون مقدمات على ضحاياها الذين منهم مَن يسقط، وآخرون يقفون بثبات.

إن الابتعاد عن وسائل التكنولوجيا المختلفة هو أحد المصادر الرئيسية لجلب السعادة والابتعاد عن التعاسة، بعد أن أصبح بعضها مصدرا للقلق بسبب ما يتناقله المسيئون من معلومات تساهم بشكل كبير في انتكاسة الأبرياء، فمن يجرّب أن يبتعد عن هاتفه مثلا وغيره من الوسائل التكنولوجيا، سيجد نفسه أمام مساحة هادئة وصفاء ذهني غير مسبوق، فما بالك لو استمر الأمر خلال رحلة كاملة قد تستغرق أياما متواصلة؟ عندها سيجد نفسه أمام مرحلة جديدة من الحياة السعيدة.

إن إعادة ترتيب الأمور ومعالجة كل المثالب والعيوب والقضاء على السلبيات وغيرها فرصة لن تتكرر خلال هذه الرحلة التي ستنقل المرء من واقع الى آخر أفضل جمالية ووضوحا للمرحلة القادمة، وذلك رغم الغيوم المتراكمة وضبابية الأجواء، لأنّ الشمس ستشرق مجددا والسماء الصافية ستحل عبر فضائها الواسع، والأمطار ستتساقط لتنفض ذلك الغبار الذي ملأ الأجواء، والأزهار ستتفتح، والأنهار ستداعب الأقدام التي ستصل في نهاية المطاف الى محطة الثبات والاستقرار.

آخر السطر:

 ممر السعادة طريق يمهّد لمرحلة جديدة.

back to top